البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الأطروحة) فرحات بن علي الجعبيري

عذاب القبر

الجزء ١ · صفحة ٦١٢

القضايا المتفرعة عن الوعد والوعيد

عذاب القبر

قال تعالى: (فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتاي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين) (5 المائدة31).

إن هذا السياق القرآني يبين أن الله علم البشر كيف يحترمون موتاهم فيوارونهم في التراب حتى لا تبقى جثثهم كجيف الكلاب وما إليها، وفي هذا تكريم من الله تعالى يذكر به في قوله (ثم أماته فأقبره) (80 عبس21) فالقبر حينئذ هو الموضع الذي يدفن فيه الميت من بني آدم، وإن علم الله البشرية هذا المسلك من أول ما عرف الإنسان الموت فإن البشر اختلفوا عبر الزمان في مواراة موتاهم فعمد من عمد منهم إلى الإحراق مع المحافظة على الرماد في قوارير تحفظ، وعمد من عمد إلى تحنيط الأموات قبل الدفن ولجأ البعض إلى الدفن الجماعي في سراديب تحت الأرض، وتفنن من تفنن في بناء القبور، وأهرام مصر أكبر شاهد على ذلك.

وليس غرضنا في هذا الفصل أن نحلل هذه القضية وإنما المشكل المطروح ماذا عن أحوال أهل القبور أو ما يسمى بالحياة البرزخية (1) وما هو موقف الإباضية من ذلك؟

إن المتتبع للقرآن الكريم لا يجد إشارات واضحة لتصوير أحوال أهل القبور، وإنما تأول المفسرون بعض الآيات (2) ورأوا فيها دليلا على ثبوت تنعم أصحاب القبور وتعذبهم، أما في الحديث فقد جاءت نصوص عديدة في الصحاح وغيرها تقر ما ينظر الناس في قبورهم من سعادة أو شقاء (3) .

ويكاد يجمع المسلمون (4) على هذا التصور باستثناء بعض المعتزلة (5) والنكار (6) من الإباضية ولذلك أثيرت القضية في الكتب الأشعرية كما أنهم ينكرون ما جاء من أحاديث في هذا الشأن أو يتأولونها (7) ومن أدلتهم العقلية أو إن أردنا الأدلة المادية المخالفة للمعقول:

٦١٢ / ٧٤٦