سورة طه
الجزء ١٠ · صفحة ٣٧٠وفي المعنى نجد شطرا كبيرا من سورة مريم يذكر قصص عدد من الأنبياء والمرسلين، ونجد في سورة "طه" ذلك التّفصيل لقصة موسى عليه السلام سيما في مواجهته لفرعون وخروجه ببني إسرائيل من مصر، ثم نجد لقطات من قصة الخليقة في آخر السّورة، وما يتخلل ذلك من توجيهات لرسول الله.
ويرتبط آخر سورة مريم بأوائل سورة "طه" بالتّنويه بشأن القرآن في لغته وإرشاداته ومواعظه، فقال جلّ من قائل: (طَه، مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى، إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَنْ يَّخْشَى).
القول في حرفي "طَ" و"هَ" هو نفس ما قيل في الحروف المتقدمة، وإن حاول بعض المفسرين أن يجعلها تدلّ على اسم من الأسماء، إن للذات العلية أو لرسول الله، فقدّروا لها نداءً، أي: يا طه. ثم يأتي بعدها الخطاب الإلهي له. ولكن ذلك لم يثبت فيه نقل صحيح، والأصوب أن نقول: الله أعلم بمراده منها.
وبصيغة الخطاب الإلهي لرسوله تجيء تلك التّسلية النّدية الممّهدة لمهمّة الرّسول التّبليغية؛ لأنّه كان يتعب نفسه ويحزن لكفر قومه وعنادهم شأن الرجل العظيم عندما يتهم في كرامته مما هو منه براء. فنفى الحقّ تعالى أن يشقى رسوله بسبب إنزال القرآن عليه؛ لأنّ ذلك هو ما يدّعيه عليه أعداؤه من أمثال أبي جهل والنّضر بن الحارث ومطعم بن عدي، إذ قالوا لرسول الله: إنّك لتشقى حين تركت دين آبائك. فإذا انتفى الشّقاء من إنزال القرآن نفي عموم واستغراق لكل أنواع الشّقاء، ففي مقابل ذلك تكون السّعادة والرّحمة للرّسول وأمته بإنزال هذا القرآن، بل هو الرّحمة المسداة لجميع العالمين، وقد تكررت مثل هذه التّسلية لرسول الله في آيات القرآن فقال تعالى:
أ) - (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُومِنِينَ) (الشّعراء:3).
ب) - (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمُ إِن لَّمْ يُومِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً) (الكهف:6).