سورة طه
الجزء ١٠ · صفحة ٣٧٢"تنزيلا" مصدر نزّل، فيه معنى التّمهّل والتنجيم كما قال تعالى في سورة الإسراء: (وَقُرْءَاناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ' عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً) (106). فعظمة القرآن مستمدة من عظمة منزله، وهو الله الخالق لكل شيء، وقد خصّ السّماوات بالذّكر ووصفها بالعلا للتنبيه على عظمتها، وذكر الأرض معها لأنهما مجالا مشاهدة الإنسان ومهاد لحياته، ولتقرير ملكيتها للخالق وهيمنة سلطانه عليهما جيء بصفة: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) فهو بذلك تعالى يجمع بين صفتين هما من خصائص ألوهيته وربوبيته: العطف والرّحمة بالخلائق، والقهر والغلبة في تدبير شؤون ملكه. والآية من المتشابه الذي نجعله في معنى قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشّورى:11). وقوله: (وَلَمْ يَكُن لَّهُ' كُفُؤاً اَحَدٌ) (الإخلاص:4). يقول القطب رحمه الله: "ومعنى استوائه على العرش أنه ملكه". ثم يقول: "وروي عن الإمام عليّ كرم الله وجهه: "الاستواء غير مجهول، والتّكييف غير معقول، والإيمان به واجب، والسّؤال عنه بدعة".(1)
ثم أردف الحق تبارك وتعالى ما يبيّن به سعة ملكه وعظمة سلطانه فقال: (لَهُ' مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى).
فكأنه تعالى يبيّن للمخاطبين تلك المجالات الواسعة من أرجاء الكون العظيم ليمعنوا فيها النّظر لاستجلاء عظمة الله كما قال في سورة الجاثية: (إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ لأَيَاتٍ لِّلْمُومِنِينَ، وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ، وَاخْتِلافِ اليْلِ وَالنَّهَارِ وَمَآ أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَآءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الاَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ ءَايَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (3 - 5).
(1) 1 - امحمد بن يوسف اطفيش، تيسير التفسير: 9/ 119.