سورة طه
الجزء ١٠ · صفحة ٣٨٥أمره تعالى بإلقائها على الأرض، وقد جعل الإلقاء تمهيدا ووسيلة إلى أمر مفاجئ يحوّل العصا عن طبيعتها الخشبية الجامدة إلى حيوان يتحرك ويسعى: (فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى)، فعناصر الحياة كانت كاملة في تلك الحية، وهي نوع من الثّعابين المسمومة. وكانت تلك مفاجأة مخيفة لموسى. وجاءت تسمية هذا الحيوان بألفاظ أخرى في كل من سورتي الأعراف والنّمل، قال تعالى في سورة الأعراف: (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ) (107). وقال في سورتي النّمل والقصص: (فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ) (10 - 31).
والجانّ هو نوع من الثّعابين الصّغيرة، ويدلّ اختلاف الأسماء على أن أطوال ذلك الحيوان كانت مختلفة بحسب ما يدعو إليه الموقف، فعندما واجه موسى سحرة فرعون قال تعالى في شأن العصا: (وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أَنَ اَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلَقَّفُ مَا يَافِكُونَ) (الأعراف:117). فوصف الحية بالثّعبان المبين هو المناسب لهذا الموقف. وكان من الطّبيعي أن يخاف موسى مما رآه، والله أمره أن يأخذ الحية بيده كما لو كانت عصا، غير أنه تعالى طمأنه بأنه سيعيدها عصا كما كانت، وذلك ليتعوّد على تلك الظّاهرة المعجزة، والتي ستصحبه في مسار دعوته بضرب الحجر لانبجاس العيون، وضرب البحر لفلقه على طريق يبس.
ثم يبين الله المعجزة الثّانية فيقول: (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ءَايَةً اُخْرَى، لِنُرِيَكَ مِنَ ءَايَاتِنَا الْكُبْرَى).