سورة طه
الجزء ١٠ · صفحة ٤٢٩وعندما أذن لهم أصابه النّدم فأتبعهم بجنوده، فكان ما كان من فلق البحر بقدرة الله وإنقاذ بني إسرائيل، ثم إغراق فرعون وجنوده في اليمّ، يقول تبارك وتعالى: (وَلَقَدَ اَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أَنِ اَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَى).
لقد قوي موقف بني إسرائيل بعد انتصار موسى، وآمنوا له، فزادهم فرعون عذابا ونكالا وقهرا حتى قالوا لموسى عليه السلام: (قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَاتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمُ أَنْ يُّهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الاَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (الأعراف:129). وكان من لطف الله بهم أن أوحى إلى عبده موسى أن يسري بقومه، وقد شرفهم الله بصفة العبودية مضافة إليه، بعد أن كانوا عبيدا لفرعون. والتّستر باللّيل هو من الوسائل المسخرة لحيلة الإنسان كما يقال في المثل: اللّيل أخفى للويل. وإلا فهناك لطف الله قد رافق خروج موسى بقومه فلم ينكل بهم فرعون، بل ساقه الله إلى حتفه، إذ تنبّه إلى الخطر الذي يمكن أن ينجرّ من خروج بني إسرائيل، فجمع جموعه ليلحق بهم.
ونجد هنا الإيجاز بطيّ ذلك الحوار الذي جرى بين موسى وقومه عندمَا أصبحوا بين فكيّ الأسد، البحر أمامهم وفرعون من ورائهم فقالوا لموسى: (إِنَّا لَمُدْرَكُونَ، قَالَ كَلآَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) (الشّعراء:61 - 62). ومعية الله تمثلت في أمره لموسى بضرب البحر لينشق عن طريق يبس مهيأ للمشي على الأقدام. وبما أن ذلك لا يتصوّره خيال البشر طمأن الله موسى بقوله: (لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَى). نفى الله عنه أن يدركه فرعون بجنوده، وأن يصيبه غرق في مياه البحر.