سورة طه
الجزء ١٠ · صفحة ٤٥٣بعد التّعرّض لأهوال القيامة والبعث ردّا على الذين أنكروه باستبعاد إعادة الأجسام بعد تفرّق أجزائها، تعرّض الله هنا لشبهة أخرى احتار فيها المشركون، فسألوا عنها الرّسول في تعنّت وعناد، سألوه عن مصير تلك الجبال الرّواسي، وهل تفنى هي الأخرى كما يحدث للكائنات الأخرى، إذ يرى الإنسان كلّ ما حوله يعتريه التّغيير ثم يؤول إلى الانتهاء إلا تلك الجبال فهي تبقى صامدة، فقال تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً، فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً، لاَّ تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلآَ أَمْتاً).
تقدم الحديث عن جملة: (يَسْأَلونَكَ) وتعدّد المسؤول عنه في القرآن الكريم، فالسّؤال هنا عن شيء لم يقع بعد، وقد يكون للاسترشاد والمعرفة، وقد يكون للاستهزاء والتّعنّت. فقد جاءت الإجابة الإلهية مقرونة بالفاء "فَقُلْ"، أي جاء عقب السّؤال. وقال الإمام القرطبي: "فقل" جاء هذا بفاء، وكلّ سؤال في القرآن "قل" بغير فاء، إلا هذا؛ لأن المعنى: "إن سألوك عن الجبال فقل". فتضمّن الكلام معنى الشّرط، وقد علم الله أنهم يسألونه عنها فأجابهم قبل السّؤال.(1)
قلت: لقد تعرّض القرآن لوضعية الجبال بذكر أطوارها المختلفة، وهي تتفاوت تماسكا وصلابة وضخامة، والنّسف: هو تفتيت تماسك الذّرات وذرّها في الهواء، وأكّد الفعل للدّلالة على قدرة الله في ذلك؛ لأنّ اقتلاعها من أماكنها ربما تبقى منها صخور ضخمة، بينما النّسف هو العملية التي تجعل من أماكنها قاعا صفصفا كما وصفها الله.
ومما ذكره الله في زوال الجبال قوله:
أ) - (يَوْمَ تَكُونُ السَّمَآءُ كَالْمُهْلِ، وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ) (المعارج:8 - 9).
(1) 1 - القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: 11/ 245.