نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة طه

الجزء ١٠ · صفحة ٤٦١

موضع هذه الجملة مما سبق وما لحق -أي في معرض الإشادة والتّنويه بشأن القرآن- يدلّ على ما لكلام الله من قدر ومنزلة، فمنزّله قد تعالى وتقدست ذاته وصفاته، فهو الملك الحق، وهو الحقيقة المطلقة، وكلّ المخلوقات بالنّسبة إليه ليست حقّا، وإن كانت تضفى عليها بعض تلك الصّفات، فملوك الأرض لا تطلق عليهم تلك الصّفة إلا مجازا؛ لأنّهم معرّضون للزوال والفناء أو للانقلاب عليهم وتنحيتهم. قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا تَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ) (لقمان:30).

فـ"الحق" من أسماء الله الحسنى، لا يسمّى به مخلوق إلا بالإضافة إلى لفظ "عبد"، فيقال: "عبد الحق". ومن مظاهر عظمته وامتنانه علينا أن تولّى حفظ كتابه؛ لأن البشر بدّلوا وغيّروا في ما سبق من الكتب السّماوية الأخرى، أو هم كتموا بعض ما جاء فيها. وتفرّد القرآن بهذه الميزة من أنواع الحفظ إنزالا من اللّوح المحفوظ، ووحيا على قلب رسول الله منجّما حسب الوقائع، والتدرّج في التّشريع، فإذا كان ملوك الأرض يضعون القوانين لرعاياهم فإن قانون الملك الحق هو هذا القرآن الذي توفرت له وسائل الحفظ والتثبيت حتى في كيفية إنزاله، فقد كان الرّسول يتعجّل بإعادة آياته ليحفظها حتى لا تضيع منها كلمة أو حرف، حرصا منه على تبليغه للأمّة فقال له تعالى يطمئنه: (وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَنْ يُّقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُه) (طه:114).

٣٬٣١٠ / ٦٬٧٦٧