سورة طه
الجزء ١٠ · صفحة ٤٦٩ويقول المولى: (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ’ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى)، ترى كم هي المدة التي مكثها آدم في الأرض يبكي على ذنبه ويستغفر الله ويندب حظّه وخروجه من الجنة. فإنّ العطف بـ"ثم" يدلّ على التّراخي إذ علّمه الله فيها كيف يستغفره ويتوب إليه لقوله تعالى: (فَتَلَقَّى ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ’ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة:37). فمن تمام الرّعاية من الرّبّ الرّحيم أن يمرّ آدم بتلك التّجربة الصّعبة. وقد قدّر الله عمارة الأرض بذريته، فخرج إلى عالم التّكليف وأصلح من حاله فكانت التّوبة وكان الاصطفاء له من الله ليحمل مشعل الهدى لذريته على نهج الله. وقيل: إنّ هبوطه إلى الأرض كان عند مكان الكعبة، وأنّه أول من بناها وقبلت توبته عندها -والله أعلم-.
أمر الله آدم وإبليس بالهبوط إلى الأرض فقال: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى).
الخطاب بالتّثنية مراعى فيها آدم وإبليس، و"جَمِيعاً" للتوكيد، والهبوط يقتضي أن يكون من مكان عال ممّا يدلّ على أن المقصود بالجنة أنها جنة الخلد، لا مجرّد جنة فيحاء ممتازة على وجه الأرض، كما ذهب إلى ذلك بعض المفسّرين.
وقوله تعالى: (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) بصيغة الجمع على اعتبار ما يكون من الذّرية أي تكون العداوة شائعة بين الجميع، إن بين ذرية آدم، أو بين ذرية الشّيطان، أو بين المعسكرين، مصداقا لقوله تعالى: (وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) (هود:118 - 119). ولا يمكن للعداوة مهما استفحل أمرها أو طال أمدها أن لا تحسم بتحكيم لفضّ النّزاع.