سورة طه
الجزء ١٠ · صفحة ٤٧٠وكان من رحمة الله بخلقه أن لا يتركهم حيارى متخبّطين، وهم على محكّ التّكليف والاختبار، فاقتضت حكمته تعالى أن يبعث الرّسل وينزل الكتب لتحمل مناهج الهدى يحتكم النّاس إليهما، فقال جلّ من قائل: (فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى).
وإذ هبط آدم وزوجه من عالم المثالية والخير العميم إلى عالم المتناقضات وحياة الغرور والإفتان. فالخطاب هنا: (فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُم) يخصّ آدم وذريته لما أودع الله في فطرتهم من قابلية الخير والشّرّ؛ لأنّ إبليس وذريته قد تمحضوا للشّرّ منذ طرده من رحمة الله.
ولفظ "هداي" هو بمعنى الذّكر المنزل من عند الله على ألسنة رسله، وفي قمة تلك الكتب القرآن الكريم، فهو صراط الله المستقيم الذي لا يضلّ سالكه في الدّنيا ولا يشقى في الآخرة، وكلّ هدى من غير عند الله تأخذون به لا يضمن لكم تلك الاستقامة ولا يحقق لكم تلك السّعادة كما قال تعالى: (وَمَنَ اَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ’ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ’ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى).
والضّنك هو الضّيق الشّديد، ويستعمل مجازا لعسر الحال واضطراب البال، وتلك حالة بائسة يكون عليها أهل الزّيغ والإلحاد، وأهل الفجور والفسوق، وإن كانت مظاهرهم المادية تستهوي أهل العقول الضّعيفة، كما قال الذين يريدون الحياة لقارون عندما خرج في زينته: (يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ’ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (القصص:79)؛ ذلك لأنّ هؤلاء يفتقدون ذلك الرّصيد الإيماني الذي يجعلهم متوازنين في حالتي السّراء والضّراء، إذ ينحصر همّهم في الاستبقاء لتلك الحظوظ بمختلف الحيل والوسائل، ويزدادون تلهّفا وطمعا للمزيد، فلا يهنأ لهم بال ولا يروق لهم، ذلك جزاؤهم في الدّنيا، فكيف يحشرون إلى الآخرة: (وَنَحْشُرُهُ’ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى).