سورة طه
الجزء ١٠ · صفحة ٤٧١فما أنسب بهم وصف العمى، لما يكون عليه من الحيرة والتخبّط، وهو الجزاء الأوفى لما كان عليه في الدّنيا من الإعراض عن آيات الله.
ولا شك أن العمى يزيدهم ألما في ما يكونون عليه من العذاب والنّكال في هول المحشر، بل يخبرنا المولى عنهم بما هو أنكى من ذلك فيقول: (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً) (الإسراء:97).
ويقول: (وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الاَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً) (الإسراء:72).
وإذ سلبهم الله حواسّ الإدراك فقد سدّت عليهم طرق النّجاة فلا استغاثة ولا نجدة، أمّا كيف يقرأون كتبهم وهم عمي؟، فلا إشكالية في ذلك؛ لأنّ الخلائق في هول المحشر تمرّ بمراحل عدة: من ساعة يحشرون إلى تمام الحساب. فقد يردّ الله إليهم أبصارهم ليقرأوا كتبهم ثم يُسلَبونها، كما يُنطق جوارحهم لتشهد عليهم بما كانوا يعملون.
(قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيَ أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ ءَايَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى، وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنَ اَسْرَفَ وَلَمْ يُومِن بِئَايَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الاَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى):
وفي تساؤل الحيرة والاضطراب أن يحشر المجرم أعمى، وقد كان في دنياه بصيرا، تأتي الإجابة التّوبيخية بالمعاملة بالمثل: (قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ ءَايَاتُنَا فَنَسِيتَهَا)، والآيات هي بمفهومها الشّامل من الصّامتة والنّاطقة، فالجزاء من جنس العمل، فأنت حشرت اليوم على مثل ما اخترته لنفسك من الإعراض عن النّظر في الدلائل والبراهين التي ترشدك إلى هدى ربّك ونسيت واجبك في التّكليف.