سورة الأنبياء
الجزء ١١ · صفحة ٢٣في قوله تعالى: (لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) احتمالات في تحديد من هو السّائل؟، أهو عامّ يشمل جميع السّائلين من مخلوقاته، فتأتي الجملة تأكيدا للتنزيه الوارد في الجملة السّابقة، فهو تعالى الإله الخالق المنزه عن الخطأ والنّسيان وكل من دونه مخلوق يعتريه ذلك النّقص من الغفلة والخطأ. فالرّقابة عليه تكون من الكامل الواجب الوجود. فكل المخلوقين يسألهم الخالق عما يقولون وما يفعلون، كما يقول الله تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمُ أَجْمَعِينَ، عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الحجر:92 - 93). ذلك هو ما ذهب إليه أكثر المفسّرين. وللإمام ابن عاشور ملحظ لاحتمال آخر في معنى الآية إذ يقول: "الأظهر أن هذه الجملة حال مكمّلة لمدلول قوله تعالى: (لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ) كما تقدم عند قوله تعالى: (أَمِ اِتَّخَذُواْ ءَالِهَةً مِّنَ الاَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ}، فالمعنى أن من عنده -وهم المقربون من المخلوقات- مع قربهم يسألون عما يفعلون، ولا يسألونه عما يفعل، أي لم يبلغ بهم قربهم إلى حدّ الإدلال عليه وانتصابهم لتعقب أفعاله. فلما كان الضّمير المرفوع بالنّيابة عن الفاعل مشعرا بفاعل حذف لقصد التّعميم، أي لا يسأل سائل الله عما يفعل، وكان ممن يشملهم الفاعل المحذوف هم: "مَن عنده" من المقربين، صحّ كونُ هذه الجملة حالا من: "مَن عنده"، على أن جملة: (لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ}: تمهيد لجملة: (وَهُمْ يُسْأَلُونَ} ".(1)
(1) 1 - محمد الطاهر بن عاشور، التّحرير والتنوير: 17/ 45.