نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الأنبياء

الجزء ١١ · صفحة ٥١

ثم قال تعالى: (وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ اَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ}، والإشارة إلى القرآن الكريم هي المقصود بذلك التّنظير، ولأن القرآن هو موضوع البيان. وقد أضفى الله عليه وصف "المبارك" وهو جامع الخير كله، إذ جاء لتركيز لواء التّوحيد، وكشف ما علق في التوراة والإنجيل من التّبديل والتّحريف؛ ولأن بركته مستمرّة خالدة، يتجاوز العصر الذي نزل فيه، وقد تحدّى النّاس بإعجازه وبيانه. فكيف ينكره المشركون ويعرضون عنه، وذلك جرم فظيع بإنكار ما قامت الأدلة على صدقه. ولذلك جيء بالاستفهام التّوبيخي مفرّعا عن تلك الأوصاف العظيمة للقرآن الكريم.

قد تنكر العين نور الشّمس من رمد … وينكر الفم طعم الماء من سقم

(وَلَقَدَ -اتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ}: ثنّى المولى تبارك وتعالى بقصة إبراهيم عليه السلام بنفس التّأكيد السّابق: (وَلَقَد}، وبإسناد إيتاء الرّشد إلى ضمير الجلالة للتنبيه على شأن ذلك الرّشد، وأنه قد اختصّ به إبراهيم بين قومه، حتى صار به مضرب المثل في الخلائق، إذ انتهى إلى الإدراك الكامل للألوهية في سنّ مبكّرة. وقد زاده الله تنويها وقدرا بقوله تعالى: (وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ}، أي أنه كان محلّ رعايتنا ومحطّ اختيارنا منذ صغره، فاستحق بذلك ذلك المقام وذلك الثّناء، كما ثبت ذلك في القرآن الكريم بقوله تعالى: (مِن قَبْلُ}، أو المعنى: من قبل إيتاء موسى وهارون الفرقان. وإنما قدّما في الذّكر؛ لأن شريعتهما لم تزل معروفة.

٣٬٣٩١ / ٦٬٧٦٧