نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الأنبياء

الجزء ١١ · صفحة ٨١

طوى النّصّ هنا ذكر حادثة الخروج ومكانها وما آلت إليه، وقد خالف يونس ربّه بتلك المغاضبة، فأدّبه الله بحادثة الحوت، فبادر إلى التّوبة مخلصا متضرّعا لمولاه قائلا: (لآَّ إِلَهَ إِلآَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}.

والنّداء هنا بمعنى الدّعاء، دعا ربّه وهو في جوف الظّلمات المطبقة عليه من بطن الحوت وظلمة البحر وظلمة اللّيل، فقدّم التّوحيد والتّسبيح لله كما تقتضيه آداب الدّعاء عبّر بهما عن تمجيد الله والاعتراف بقدرته وتدبيره الحكيم، ثم هو يعترف بخطئه، وأنه قد ظلم بذلك نفسه، إذ لا يليق برسول أن يغاضب وينفّر، فحذّر الله رسوله من ذلك فقال: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ) (القلم:48).

وإزاء ذلك النّدم وتلك الابتهالات المخلصة كانت استجابة الله بتفريج الكرب عنه: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَالِكَ نُنجِي الْمُومِنِينَ}، "السّين" و"التّاء" للمبالغة في الإجابة التي ترتب عليها ذلك الإنجاء من الغمّ، مما يدلّ على أن المكث في بطن الحوت لم يدم طويلا، إذ كان ذلك بإلهام من الله لذلك الحوت بأن يقذف به في الشّاطئ، حيث يجد متنفسه وتفريج كربته.

وكما تمّ ذلك ليونس بقدرة الله وتدبيره، فهو الذي يفرّج عن المؤمنين غمومهم وكروبهم، فما على المؤمن إلا أن يفزع إلى الله بهذا الدّعاء عندما يحسّ بضيّق وغمّ.

٣٬٤٢١ / ٦٬٧٦٧