نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الحجّ

الجزء ١١ · صفحة ١٨٦

ثم يقول تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَتُصْبِحُ الاَرْضُ مُخْضَرَّةً اِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ}: الخطاب لكلّ من تصلح له الرّؤية، وهي هنا بمعنى العلم، وقد تكون بالمعنى الحسيّ، والاستفهام إنكاريّ؛ لأن كثيرا من النّاس يغفل عن التّدبّر في هذه الظّاهرة الطّبيعية التي تذكّر بها الآية الكريمة، ليستشف من خلالها قدرة الله في انفراده بالخلق والتّدبير. والسّماء هو كلّ ما علاك، ومنه السّحاب المعلّق بين السّماء والأرض، فظاهرة المطر -وإن كانت مألوفة- فإن القليل منا من يتدبّر كيف تألفت تلك السّحب، وكيف ساقها الله إلى حيث يشاء، ثم كيف لقّحها لينزل منها الماء … إلخ؟، ثم كيف تتمّ عملية اخضرار الأرض بعد أن ارتوت بمياه الأمطار: (فَتُصْبِحُ الاَرْضُ مُخْضَرَّةً}، وفاء التّعقيب في قوله: (فَتُصْبِحُ) تدلّ على الفورية في خروج ذلك الكساء الأخضر على وجه الأرض، فكيف وهي كانت من قبل حمراء جرزا، وليس هناك تدخّل لعمل الإنسان؟، ذلك لأنّ بذور تلك النّباتات كانت محفوظة في تربة الأرض، وقد نقلتها الرّياح أو الحشرات لتنتظر نزول الماء فتنبت خضراء زاهية بقدرة الخالق. ولذلك جاء التعقيب في بيان هذه النّعمة بقوله تعالى: (اِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ}، واللّطف هو دقّة التّناول للأشياء، ولطف الله بعباده يبدو جليّا في تدبير شؤونهم، ومن أبرز ذلك إنزال الماء من السّماء وتوفيره لجميع مخلوقاته، وهو العنصر الأهم في حياتها، بحيث يكون في متناول أيدي الجميع لا يستطيع الإنسان أن يحتكره بالقوة، إذ يقول تعالى: (فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ) (الحجر:22). ثم إنه تعالى خبير بما ينفع خلقه، فيسخّره لهم ويهديهم إلى الانتفاع به.

٣٬٥٢٦ / ٦٬٧٦٧