سورة الحجّ
الجزء ١١ · صفحة ٢٠٢تكرر الخطاب لأمة الدّعوة: (يَآ أَيُّهَا النَّاسُ) أربع مرات لبيان الحجج والبراهين لكشف ما في واقع المشركين من سفاهة وضلالة، وما في عبادتهم من سخف وجهل. وها هي السّورة تختتم بالنّداء لأمة الاستجابة: (يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ) يرسم الله لها المنهج المستقيم الذي تسير عليه لتنهض بتكاليف دعوتها، وتستنصر بمولاها القويّ العزيز وهو يدعوها إلى الاعتزاز بملّتها، ويقرّر مكانتها في العالمين فيقول: (يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ ارْكَعُواْ وَاسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَافْعَلُواْ الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
فبعد ضمان العقيدة الصّحيحة التي ترتكز على الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر، يوجّه الله الخطاب للمؤمنين ليأمرهم بما يصلح أمور دينهم ودنياهم، فابتدأ بالرّكنين العظيمين في الصّلاة وهما الرّكوع والسّجود ليبرزها حركة مقدسة للتعبير عن الخضوع والإجلال لعظمة الله، والبدء بهذا الرّكن من أنواع العبادات دليل على كونها عماد الدّين، إذ ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصّلاة. ثم يأتي بعدها الأمر بالعبادة، وهي أشمل وأوسع، إذ تعني القيام بكل ما أمر الله به المكلفين أن يتعبّدوه به من صيام وزكاة وحج وغيرها من أنواع القربات، بل تشمل كل النّشاط الإنساني متى توجّه القلب به إلى الله، حتى ما يكون من قبيل المتع واللّذائذ الحلال لقوله عليه الصّلاة والسّلام «وفي بضع أحدكم صدقة».(1)
ويختم الأمر التّكليفي بقوله: (وَافْعَلُواْ الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، والخير هو كلّ عمل يكون فيه نفع لخلق الله ماديا أو معنويا، ويتجلّى ذلك في حسن التّعامل مع النّاس، ويتفاوت أجره عند الله بمقدار حجم النّفع المبذول مع حسن النّية ونبل القصد. يقول الشّاعر العربيّ:
(1) 1 - رواه مسلم من حديث أبي ذر، كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، رقم 2376.