سورة الحجّ
الجزء ١١ · صفحة ٢٠٣من يفعل الخير لم يعدم جوازيه … لا يذهب العرف بين الله والنّاس
وجاء في الأثر: «إن هذا الخير خزائن، ولهذه الخزائن مفاتيح، فطوبى لعبد جعله الله مفتاحا للخير، مغلاقا للشّرّ، وويل لعبد جعله الله مفتاحا للشّرّ، مغلاقا للخير».
وقوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) "لعلّ" للترجّي، وهو توقع حدوث الشّيء، وذلك باعتبار مألوف العباد من الأخذ بالأسباب وانتظار النّتائج، أما عند الله فهو يعلم بالنّتائج مسبقا، فهو تعالى يحدّد الأعمال التي توجب الفلاح لعبده إذا بلغت حدّا معلوما، وهو فلاح في الدّنيا بالعزة والتّمكين، وفلاح في الآخرة بالثّواب والرّضوان ونعيم الجنة.
وإذا استقامت أمة الاستجابة على منهج الله وتحقق لها الفلاح الموعود، فلا بدّ لها من الجهاد بمختلف أنواعه لحماية بيضة الإسلام وتمكينه من نشر دعوته، فقال تعالى: (وَجَاهِدُواْ فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمُ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفيِ هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُواْ بِاللهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ}.
الجهاد في حقيقته العرفية هو قتال أعداء الإسلام وبذل الجهد بالنّفس والمال لنشر دعوته، وذلك بإزالة كلّ الحواجز التي تعترض طريقها. وبما أن كلمة "الجهاد" جاءت عامّة، وأكدت الجملة بالمفعول المطلق: (حَقَّ جِهَادِهِ) دلّ ذلك على أن لفظ الجهاد المأمور به يتناول كل أنواعه: أي جهاد الأعداء وجهاد الشّيطان وجهاد النّفس والهوى، وهو الجهاد الأكبر كما وصفه رسول الله. وما أحوج الأمة الإسلامية اليوم إلى جهاد اللّسان والبيان في مجال الإعلام لردّ الشّبه والأباطيل التي تلصق بالإسلام وهو منها براء.