سورة الحجّ
الجزء ١١ · صفحة ٢٠٥ومن التّشريف لهذا الدّين أن وصله الله تعالى بشريعة إبراهيم أبي الأنبياء وهو الرّسول الذي تتفاخر به الدّيانات السّماوية الثّلاث: اليهودية والنّصرانية والإسلام. فقال جلّ من قائل: (مِّلَّةَ أَبِيكُمُ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفيِ هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ}، "ملّة" منصوب على الاختصاص، والمعنى: إلزموا ملّة أبيكم إبراهيم، والخطاب وإن كان لعامّة الأمة، فهو موجّه بالأولى لأصحاب رسول الله، وغالبيتهم يومئذ من العرب، وإبراهيم هو جدّهم الأعلى، وقد قال رسول الله عليه السلام: «أنا دعوة أبي إبراهيم» إشارة إلى قوله تعالى: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ) (البقرة:129).(1)
وبما أن رسول الله بمقام الأبوّة لجميع المسلمين، فإنّ أبوّة إبراهيم له هي أبوّة لجميعهم. وقوله: (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ}، الضّمير عائد إلى لفظ الجلالة كقوله: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ}، أي خصّكم بهذا الوصف: (الْمُسْلِمِينَ}، إذ الإسلام هو المرتضى من الله، والذي جاء به كل الرّسل واحدا في أصوله العقائدية العامة وفي الدّعوة إلى مكارم الأخلاق، وبالتّالي فهو الدّين الذي وصّى به إبراهيم بنيه ويعقوب: (يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اَصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) (البقرة:132). والإشارة في قوله تعالى: (وَفيِ هَذَا) هي إلى القرآن، وذلك في قوله تعالى: (وَأُمِرْتُ لأَنَ اَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ) (الزّمر:12). (وَأَنَآ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام:163).
(1) 1 - رواه أحمد بنحوه في المسند من حديث عرباض بن سارية، رقم 17190: 4/ 127.