نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّور

الجزء ١١ · صفحة ٣٠٨

يأتي هذا الاستثناء بعد الأحكام الثّلاثة المنصبّة على القاذف، واختلف العلماء هل يرجع الاستثناء إلى الأحكام الثّلاثة كلها أو إلى بعضها؟، أو هو متعلق بالحكم الأخير، أي رفع حكم الفسق عنهم بعد التّوبة والإصلاح؟ وننقل هنا ما رجّحه الشّيخ الإمام إبراهيم بيوض في تفسيره للآية يقول: "وأجمع العلماء أن الاستثناء يتناول الجملة الأخيرة، وإلاّ فلا يكون لوروده معنى، فهو يرفع وصف الفسق وآثاره عن المحدود، فيبقى الخلاف محصورا في قبول شهادته بعد صدق توبته، فقال بعض الفقهاء: تقبل إذا تاب واستقام على توبته وظهر صدقه وصلاحه، ولكن الجمهور على أن شهادته لا تقبل أبدا، وهو القول الذي نميل إليه ونرجّحه لوجوه:

أولا: لذكر التّأبيد في المسألة، فهو يقتضي مدة أطول من المدة التي بين القذف والتّوبة وقد تكون قصيرة.

ثانيا: إذا كان الاستثناء يتعدى الحكم الأخير فما الذي يقصره على الحكم الأوسط دون الأول؟، وهو قطعا غير داخل كما بيّنّا -أي أن التّوبة لا تسقط الحدّ- وذكرنا أن الرّسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الرّاشدين جلدوا ورجموا ولم يعطلوا الحدود بعد التّوبة.

ثالثا: والنّظر الأخير الذي يرجّح ما ذهبنا إليه كما أشار إليه بعض المحققين هو أن الأحكام الثّلاثة جاءت على ثلاث صيغ: الأولى أمر: (فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً}. الثّانية نهي: (وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً اَبَداً}: الثّالثة إخبار: (وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}.

فجاء حكم الأخير مخالفا في أسلوبه للحكمين السّابقين، فلم يقل: أحكموا عليهم بالفسق، وإنما حكم عليهم بأنهم فساق وقال بعد: (إِلاَّ الذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، ولم يقل: فاعفوا عنهم.

٣٬٦٤٨ / ٦٬٧٦٧