سورة النّور
الجزء ١١ · صفحة ٣٣٦هـ) - البيان والتّفسير:
أشرق نور الإسلام رحمة للعالمين فواجه في أول مراحله مجتمعا فطريا ساذجا تتفاعل فيه عوامل شتى من النّزعات والأهواء، ومن العادات والتّقاليد. وقد عرف لونا من الطّبقية أملتها عليه الظّروف القاسية التي عاشها في بيئة تدعو للعنف والقسوة وتمجّد الشّجاعة والقوة وتتنافر للغارة والغزو، فطبقة الأسياد لها مقامها وحرمتها وآدابها الاجتماعية الموروثة، أمّا طبقة العبيد والإماء فهي المرتع المباح للإشباع الشّهواني وإرضاء نزوات الشّباب، أضف إلى ذلك ما تستلزمه حبّ الفروسية من لهو وفسوق في سمرات الخمر والميسر.
فليس عجيبا أزاء هذا الوضع المألوف أن يتدرج الإسلام بأسلوبه الحكيم وهو يتصدّى لمحاربة تلك الآفات الاجتماعية الخطيرة، ولا أدلّ على خطورتها من استمرار رواسبها حتى نتأت كالفقاقيع في مجتمع المدينة أي بعد خمسة عشر عاما من الإعداد التّربويّ والنّفسي لصحابة رسول الله وهم في بركة الوحي يتطهّرون، ولو أن ظهورها قد مسّ القاعدة الشّعبية العامّة لهان الأمر.
أما وقد تطاول الإفك والبهتان إلى مراكز القيادة وذروتها فذلك أمر يتطلب الحزم والصّرامة في بتر الأعضاء الفاسدة بعملية جراحية لا فكاك منها، فجاءت تلكم الأحكام الزّاجرة في أول السّورة. وبعد تشخيص مكمن الدّاء بحديث الإفك تأتي هذه الأحكام التي تعتبر كالمضادات الحيوية الضّروريّة للعلاج الوقائي في فترة النّقاهة، ولشيوع الفاحشة أسباب ودواع تكون ذريعة لها، والله تعالى عندما نهى عن الزّنا قال: (وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ’ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً) (الإسراء:32).