نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّور

الجزء ١١ · صفحة ٣٩٣

(وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَآ أُوْلَئِكَ بِالْمُومِنِينَ}:

أيّا كان سبب النّزول لهذه الآية كما أثبتته الرّوايات، فإن هذا النّوع من النّاس المنافقين لا يخلو منهم زمان ولا مكان في أية حركة أو دعوة، وإن كانت من اجتهادات البشر، فما بال دعوات الله على ألسنة رسله؟، وضمير الجمع في "يقولون" وإن يعد إلى مذكورين من قبل، فهم معروفون لدى السّامعين، فإذا كانت الهداية الرّبانية في قوله تعالى: (وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَّشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (النّور:46) قد تحققت في أولئك الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، فإن هؤلاء الذين يدّعون الإيمان بألسنتهم قولا بدون عقيدة صحيحة ولا عمل صالح، هم ممن قضت المشيئة الإلهية أن يعرضوا عن تلك الهداية، لأن الإيمان كما ورد في الأثر: «ما وقر في القلب وصدّقه العمل».(1) ولذا صحّ أن ينفي الله عنهم صفة الإيمان: (وَمَآ أُوْلَئِكَ بِالْمُومِنِينَ}.

والإشارة إليهم بالبعد يؤكد بعدهم عن طبيعة المؤمنين الأوفياء والفصل بـ"ثم" بين القول وفعل الإعراض يدلّ على أن الباعث للإعراض بعد ادّعاء الإيمان والطّاعة أنهم من أوّل أمرهم كاذبون، غير أن الذي يظهر ما يخفونه من كذب هي مواقفهم عند النّوازل والخصومات، فهناك تتمحّص نواياهم، والحظوظ النّفسية عند الإنسان هي المحكّ الحقيقي لطبيعته.

(وَإِذَا دُعُواْ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ، وَإِنْ يَّكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَاتُواْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ}:

(1) 1 - تقدم تخريجه، ص 366.

٣٬٧٣٣ / ٦٬٧٦٧