سورة النّور
الجزء ١١ · صفحة ٣٩٤الدّعوة للتقاضي إلى حكم الله هي من صميم الدّين لا يحتاج فيه المؤمن الوفيّ إلى من يرشده إلى ذلك كلما نزلت به نائبة، غير أن هؤلاء المنافقين يتهرّبون عن حكم الله بمختلف الحيل، حتى إذا دعوا إلى حكم الله العادل بادروا بالإعراض، دونما تردّد لأنهم واثقون بأن الرّسول لا يماري في الحق والعدل، كما يعرفون أنهم على باطل، بينما هم يأتون إليه في إذعان ورضي حين يكون الحق إلى جانبهم.
وعدم الرّضا بحكم الرّسول في كلتا الحالتين كفر ونفاق، لأن الله تعالى وضع للإيمان الصّادق معيارا دقيقا في مثل هذه الحالات فقال جلّ من قائل: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُومِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً) (النّساء:65).
يقول الشّيخ الإمام في تفسيره في رحاب القرآن: "قلّما يتخاصم اثنان إلا ويعلم كلّ منهما نصيبه من الحق أو الظّلم، ولكن الظّالم يقوم على الفجور في الخصومة وذلك شأن المنافق، إذا خاصم فجر".(1) وليس إتيانهم مذعنين في هذه السّورة أي مراعاة منهم لميزان الحق والعدل، بل هو للانتفاع العاجل.
(أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ اَمِ ارْتَابُواْ أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَّحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ’ بَلُ اُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}: الاستفهام للتعجّب من أحوال هؤلاء، لأن إعراضهم عن حكم الرّسول ينبني على ثلاثة أسباب:
أ) - مرض القلب: وهو كناية عن النّفاق المتأصّل، والقلب هو مستودع الأسرار النّفسية صالحها وفاسدها، والقلب المريض لا يستقرّ به الإيمان الصّحيح.
ب) - الشّكّ والارتياب: ومع ضعف الإيمان بوحدانية الله ونبوءة الرّسول، فهم في ريب من عدالة حكمهما، وسوء الظّن ينبثق عن سوء الفعال وسوء الأخلاق، لأن الإنسان يقيس غيره بما في نفسه كما قال المتنبي:
(1) 1 - إبراهيم بيوض، في رحاب القرآن "تفسير سورة النّور": ص 126.