نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّور

الجزء ١١ · صفحة ٣٩٦

قضية الاحتكام إلى رسول الله في ما يشجر بين النّاس من الخصومات وموقفهم منها كانت هي المحك الدّقيق للتمييز بين الإيمان الكاذب الزّائف، والإيمان الصّادق الرّاسخ، وعلى منهجية القرآن في المزاوجة بين التّرغيب والتّرهيب والوعد والوعيد، جاء هذا الاستئناف البياني لصنف المؤمنين الصّادقين.

وجيء بأداة الحصر "إِنَّمَا" لتأكيد الإخبار بصفة المؤمنين الحقيقيين، حتى لا تختلط المفاهيم لدى السّامعين، فإن شأن هؤلاء هو السّمع والطّاعة بدون تردّد لأنهما ينبثقان عن الثّقة المطلقة في عدالة الله ورسوله وينبعان عن التّسليم والإيمان بأنّ حكم الله ورسوله لا يشوبه هوى ولا مراعاة منفعة لشخص على آخر، بل هو الحق والعدل والخير لكلّ النّاس على حدّ سواء.

والتّعبير بالسّمع والطّاعة هو المشهور في لسان العرب للدلالة على الانقياد والخضوع، لأن في تغيير هذه الألفاظ بمرادفهما أو بما يؤدي معناها وسيلة يستعملها المنافقون لتحريف المعنى كما ورد في سورة النّساء في قوله تعالى: (مِنَ الذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوَ اَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ) (النّساء:46).

وحَكَمَ الله للمؤمنين بالفلاح، وأكّد ذلك بنفس المؤكدات السّابقة في شأن المنافقين لمقابلة الذّم هناك، بالمدح هنا: (وَمَنْ يُّطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ’ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَآئِزُونَ}.

٣٬٧٣٦ / ٦٬٧٦٧