نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الفرقان

الجزء ١١ · صفحة ٤٣٠

(قُلَ اَنزَلَهُ الذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا): لقّن الله رسوله الجواب الذي يدمغهم بشهادته تعالى لرسوله بما يردّ تلك الافتراءات، بأن الله هو منزل القرآن، وأنه يعلم السّرّ في السّماوات والأرض، وإضفاء العلم بالسّرّ في الكون للذات العلية مناسب لمحتوى تلك الأساطير بما تنطوي عليه من مفاجآت الزّمان وفق إغراب القصّاص في خيالاتهم، فإن القرآن الكريم وما يحمله من غيبيات لا مكان فيه للخيال والإغراب في قصصه، وإنما هو إخبار من لدن حكيم عليم الذي يعلم السّرّ وأخفى، فالرّسول لا يحتاج في ذلك إلى من يلقنه تلك الأخبار.

(إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا): هما الصّفتان المناسبتان في هذا المقام لإبقاء باب التّوبة مفتوحا لمن يريد الإنصاف والإقرار بالحقيقة الثّابتة للقرآن وللمنزل عليه.

(وَقَالُواْ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَاكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الاَسْوَاقِ لَوْلآَ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا، اَوْ يُلْقَىآ إِلَيْهِ كَنزٌ اَوْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ يَاكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا): إنه الجهل بحقيقة الرّسالة، وأنها اتصال علويّ يختار الله له من يشاء من عباده دون أن يفقدوا بشريتهم، ولم يكن رسول الله بدعا من الرّسل في إثارة هذه الشّبهة حول شخصهم الكريم فقد قيل للرّسل مثل ذلك.

جاءت شبهتهم هذه في صيغة الاستفهام التّعجبي، أي يستبعدون أن يكون الرّسول بشرا مثلهم يأكل الطّعام ويمشي في الأسواق، وذلك أنه كناية عن طلبه للرّزق كبقية النّاس، فكيف يتأهّل للارتباط بالملإ الأعلى؟، وتلك مكانة لا تكون إلا لملك مقرّب؟. ولذلك تدرّجوا في ادعاءاتهم من منزلة الملك إلى المستويات الدّنيا في مألوف العيش على الأرض، فلا أقلّ من أن يكون هذا الرّسول مكفول الرّزق في كنز يدّخره أو جنة يأكل أرزاقها، وهم بذلك ماديو النّظرة يجهلون الحكمة

٣٬٧٧٠ / ٦٬٧٦٧