نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الفرقان

الجزء ١١ · صفحة ٤٣١

الإلهية في وسيلة الهداية لهذا الإنسان باختيار تلك الصّفوة من الخلق يتلقون وحي الله وينتصبون أئمّة للهدى في أقوامهم، لا تفارقهم بشريتهم؛ لأنها أدعى للفهم والاستجابة، وأوفق للتلاؤم والانسجام، فالرّسول كغيره من البشر يسترزق ويتزوج ويربّي الأولاد.

وقد ورد مثل هذا الادّعاء وأكثر في سورة الإسراء، وقد فصّلت كتب السّيرة أن ذلك وقع في مجلس لكبراء قريش مع رسول الله ثم أشاعوها بين النّاس طمعا في إعراضهم، ولكن الواقع كذّبهم، فقد سحرهم بيان القرآن، وكانوا يميلون إلى سماعه، كما أخذت دعوة الرّسول تنداح في صفوفهم، فلم يجدوا إلا رمي الرّسول بالسّحر ظلما وبهتانا، مما يدلّ على أنهم يغالطون أنفسهم في تلك الادّعاءات، وعندما بهرهم الواقع لجأوا إلى تلك السّبّة اللّعينة من وصفه بالسّحر بما قد ينطلي على بعض السّذج منهم.

(انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الاَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً): توجيه الخطاب للرسول هو لإيناسه وشدّ أزره في ترويج تلك الأمثال الباطلة ضدّه، وقد حكم الله عليهم بالتّيه والضّلال بحيث لا تنفع معهم حجة، ولا يرجى لهم توفيق.

ثم قال تعالى: (تَبَارَكَ الذِي إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَالِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا): (تَبَارَكَ) تكرار للثّناء على الله، وهو القادر على أن يعطيك أكثر مما يدّعون من أطايب الحياة وزخرفها، ولكن مشيئته وحكمته اقتضت أن يجعل لرسله كفافا من الحياة والعيش، حتى لا تشغلهم متع الحياة عن مهمتهم الشّاقة في تبليغ دعوة الله ونصرة الحق، وذلك بالإخلاص الكامل والاتجاه إلى الله وحده في طلب النّصرة والتّأييد، وهو نعم المولى ونعم النّصير، والله أعلم.

٣٬٧٧١ / ٦٬٧٦٧