نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الفرقان

الجزء ١١ · صفحة ٤٣٥

كالقذى الخسيس يرمون ويلقون في جهنم على صورة من الذّلة والحقارة مصفّدين بالأغلال، يواجهون ألوانا من العذاب في أضيق بقعة من النّار، وهم يدعون بالهلاك -وهيهات-، وحسب الإنسان من الشّقاء في فقدانه للإيمان أن يتمنّى الموت شفاء لما يجده من العذاب كما قال المتنبي:

كفى بك داء أن ترى الموت شافيا وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا

ومع ذلك الوضع الأليم يقال لهم إمعانا في الخزي والنّكال: (لاَ تَدْعُواْ الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُواْ ثُبُورًا كَثِيرًا)؛ لأن العذاب سوف لن ينتهي بالموت كما يتمنون، بل هو يتجدّد ويستمرّ، ولذلك كان منهم الدّعاء بالثّبور، ثم لا يجدون لهم من دون الله وليّا ولا نصيرا.

وفي مقابل ذلك يذكر الله تعالى ثواب المتقين الأبرار، ليكون ذلك أدعى للتهكّم والاحتقار لأولئك المجرمين الأشرار، يقول تعالى: (قُلَ اَذَالِكَ خَيْرٌ اَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ التِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءً وَمَصِيرًا، لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَىا رَبِّكَ وَعْدًا مَّسْئُولاً).

أمر الله رسوله بأن يوجّه الخطاب لأولئك المتعنّتين أن يجروا تلك المقارنة بين عذاب جهنم في وصفه الشّنيع -كما تقدم- وبين نعيم الخلد، وذلك لزيادة إغاظتهم؛ لأن المحروم مما يرى فيه غيره من الخير والنّعيم يكون ذلك أشدّ عليه إيلاما مما هو فيه، وفي عقدهم لتلك المقارنة تقريع وتبكيت؛ لأن القضية لا وجه فيها للقارنة:

ألم تر أن السّيف ينقص قدره إذا قيل هذا السّيف خير من العصا

فنعيم الجنة مهما تصورناه بلغتنا المألوفة فهو كما ورد في الحديث الشّريف:

٣٬٧٧٥ / ٦٬٧٦٧