نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الفرقان

الجزء ١١ · صفحة ٤٤٤

طلب هؤلاء المتعنتين في شيئين:

أ) - (لَوْلآَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلآَئِكَةُ): وهو طلب تعجيز ومكابرة؛ لأنهم يرون أنفسهم أشرف منزلة من أن يتلقوا أحكام الدّين من رجل مثلهم. ونلاحظ هنا نوعا من التّرقي في الطّلب، فبعد أن طلبوا نزول ملك مع الرّسول ليسنده في دعوته، نراهم هنا يطلبون نزول الملائكة عليهم مباشرة.

ب) - (أَوْ نَرَىا رَبَّنَا): أي نراه رؤية بصرية مباشرة ليخبرنا بما يطلب منا، فيكونون بهذا الطّلب قد بلغوا من العتوّ والاستكبار على مقام الله الجليل -وهم خلقه وعبيده- بما يستحقون به عذاب المحق، كما حدث لبني إسرائيل من قبل، ولكن الله العليم الحكيم لم يتصرف مع هؤلاء بنفس العقاب، بل جاء الرّدّ قويّا مؤكدا بلام القسم لإفادة معنى التّعجيب فقال تعالى: (لَقَدِ اسْتَكْبَرُواْ فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْاْ عُتُوًّا كَبِيرًا). وكلّ من الاستكبار والعتو دليل على أن هؤلاء قد خرجوا عن طورهم الإنسانيّ، وظنوا بأنفسهم أنهم فوق الطبيعة البشرية، ولذلك جاء التّعبير بقوله تعالى: (لَقَدِ اسْتَكْبَرُواْ فِي أَنفُسِهِمْ) مما يدل على تمكّن ذلك في ذواتهم، إذ أوغلوا في تجاوز الحدود.

وإذ لا مناص لهم من رؤية الملائكة في يوم القيامة، فسيرونهم، ولكن على غير ما يتمنون، إذ قال تعالى: (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلآَئِكَةَ لاَ بُشْرَىا يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا، وَقَدِمْنَآ إِلىَا مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُورًا). إنها إجابة دامغة لطلبهم الدّنيويّ، بأن رؤية الملائكة ستكون لهم يوم القيامة، ولكن بما يسوءهم من العذاب والخزي، وجاءت العبارة بنفي البشرى عن المجرمين، لتدلّ على العموم، وهي من جهة أخرى تشير بالبشرى للمؤمنين، من طرف ملائكة الرّحمة كما نصت عليه الآيات الأخرى. ومع انتفاء البشرى للمجرمين يكون الحزن والغمّ، بحيث يرعبهم المشهد فيستعيذون من تداعياته ويقولون: (وَيَقُولُونَ

٣٬٧٨٤ / ٦٬٧٦٧