نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الفرقان

الجزء ١١ · صفحة ٤٤٥

حِجْرًا مَّحْجُورًا). وهي بمثابة الاستعاذة من أمر مخيف، وذلك على اعتبار أن الضّمير في: (يَقُولُونَ) يعود إلى المجرمين، ويحتمل أن يعود الضّمير إلى الملائكة، والمعنى أنهم يقولون ذلك للمجرمين نكاية بهم وسخطا بأن الله حرّم عليهم البشرى بالمغفرة والجنة.

وإذ بعض المجرمين يكونون قد أحسنوا في الدّنيا ببعض الأمور الخيرية كما كان العرب الجاهليون يشتهرون بالكرم والنّجدة، فهل تحتسب لهم تلك الأعمال عند الله؟، فالآية اللاحقة تجيب على ذلك إذ يقول تعالى: (وَقَدِمْنَآ إِلىَا مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُورًا)، والقدوم هنا هو بمعنى القصد والإرادة. و (مِنْ): بيانية، وتنكير: (عَمَلٍ) لبيان النّوعية والمراد به العمل الخيريّ، والهباء: الدّقائق الخفيفة التي تتطاير في الفضاء ولا تبدو للعين إلا في ضوء الشّمس، ويضرب به المثل في الحقارة، ذلك لأن العمل الخيريّ لابدّ وأن يستند إلى النّية الحسنة، والإخلاص لوجه الله تعالى، والكافر لا يملك ذلك التّوجّه، فعمله الخيريّ الظّاهريّ يردّ على وجهه، كما فصّل الله هذا المعنى في سورة "النّور" بتشبيهه ذلك بالسّراب، فلا قبول من الله إلا لذوي النّوايا الطّيّبة من الصّالحين الأبرار.

(اَصْحَابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً): تبعا لأسلوب القرآن في الوعد والوعيد والتّرغيب والتّرهيب تأتي هذه المقابلة بين حال المشركين في الآخرة وحال المؤمنين، وقد أضفى الله عليهم وصف الصّحبة للجنة، للدلالة على اختصاصهم بها وملازمتهم إياها على وجه الدّوام والخلود. والتّعبير: "خَيْرٌ"، "أَحْسَنُ" للتفضيل، ولكن ليس للمعنى الحقيقي، إذ لا خير لغيرهم يفاضلون به، وإنما يقصد به التّهكّم بالمشركين.

والمستقرّ هو مكان الاستقرار في نعيم وهناء. ولكن ما وجه ذكر المقيل، وهو المأوى الذي يلجأ إليه في القيلولة؟، وليس في الجنة شمس ولا زمهرير؟.

٣٬٧٨٥ / ٦٬٧٦٧