سورة الفرقان
الجزء ١١ · صفحة ٤٤٦أحسن ما وجدته في الإجابة على هذا السّؤال هو ما ذكره الإمام الشّعراوي في تفسيره، إذ قارن بين لفظي: "المستقر" و"المقيل" في الجنة فقال: "إذن المستقرّ شيء، والمقيل للراحة النّفسية الشّخصية شيء آخر، لأنك قد تستقرّ في مكان ومعك غيرك، أما المقيل فمكان خاصّ بك، إذن: لك في الجنة مكانان عامّ وخاصّ، لذلك قالوا في قوله تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) (الرّحمن:46). قالوا: جنة عامّة وجنة خاصّة، كما يكون لك مكان لاستقبال الضّيوف، ومكان لخاصّة نفسك وأهلك" (1).
قلت: وهو ملحظ دقيق، سيما ونحن سكان المناطق الحارّة، نعرف هناء المقيل والمتعة النّفسية التي نحسّ بها عند وضع ثيابنا في الظّهيرة.
ثم يقول المولى تبارك وتعالى: (وَيَوْمَ تَشَّقَّقُ السَّمَآءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلآَئِكَةُ تَنزِيلاً، الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا)، الجملة معطوفة على مشهد رؤية الملائكة يوم لا يكون فيه بشرى للمجرمين، وتشقق السّماء هو تصدّعها وتقطّع أجزائها مؤذنة باضطراب نظام الكون.
وقوله تعالى: (بِالْغَمَامِ) وهو السّحاب الأبيض الذي يغمّ السّماء، أي يسترها، فتكون الياء إما للملاصقة أو السّببية، أما كيفية حدوث ذلك فعلمها عند الله، وقد تكرّر هذا المشهد في آيات أخرى فقال تعالى: (إِذَا السَّمَآءُ انشَقَّتْ) (الانشقاق:1). وقال: (إِذَا السَّمَآءُ انفَطَرَتْ) (الانفطار:1). وقال: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلآَّ أَنْ يَّاتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآَئِكَةُ وَقُضِيَ الاَمْرُ) (البقرة:210). فهناك -إذن- ليوم البعث انشقاق للسّماء ونزول الملائكة بصحائف الخلائق ليوم الحساب، والتّعبير بالتّنزيل تأكيدا بالمفعول المطلق، يدلّ على نزول الملائكة بذواتهم