سورة الفرقان
الجزء ١١ · صفحة ٤٤٧أفواجا تترى، وهو يوم عصيب لما فيه من الهول، تشتدّ وطأته على المجرمين، فلا سلطان إلا لله يومئذ وقد حُمّ القضاء وانكشف الغطاء. ولذا قال تعالى: (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا).
وإذ انقطعت الأسباب، وتعطلت الأنساب، فقد زالت الألقاب والمسمّيات الدّنيوية، فلا ملِك ولا أمير، ولا غنيّ ولا فقير، فالسّلطان والملك الحقيقي لله وحده، وذلك ما يردّده ضمير الوجود كله وهو يسمع السّؤال الرّباني: (لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) (غافر:16)؟، فلا يسعه إلا أن يجيب مذعنا خاضعا بقوله: (للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) (غافر:16). ويلاحظ إسناد الملك لوصف "الرّحمن" عوضا عن لفظ الجلالة، مع أنه تعالى وصف ذلك اليوم بالعسر على الكافرين، وذلك للإشارة إلى ضدّه بأن يكون يسيرا على المؤمنين؛ لأن من مظاهر رحمته تعالى أن يجازي كلاّ بما عمل، فلا خوف من ظلم في ذلك اليوم ولا مجال لبغي أو جبروت.
ثم قال تعالى مبيّنا حال التّحسّر والنّدم للظّالمين: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىا يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً، يَا وَيْلَتَىا لَيْتَنِي لَمَ اتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلاً، لَّقَدَ اَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلاِنسَانِ خَذُولاً). تكررت في هذه الجمل المتعاطفة كلمة: (يَوْمَ) كما في مطلع هذه الآيات، ويقصد بها مطلق الوقت والزّمن، أي جزء من ذلك اليوم الكبير المديد الذي تجري فيه أحداث يوم القيامة.
ومن مظاهر العسر على الكافرين في ذلك اليوم ما يكون عليه الظّالم من التّحسّر والنّدم، ومن الأماني الباطلة التي لا يمكن تحقيقها، إذ فات أوان الابتلاء، وأصبح في موقف الجزاء. والتّعبير بـ"عضّ اليد" هو كناية عن شدة النّدامة، حين لا يجد الظّالم إلا ذاته متنفّسا يصبّ عليها جام غضبه، فيؤلم نفسه بنفسه بعضّ يده أو كلتيهما في حركة هستيرية علّه يجد بعض العزاء في ما يفعله، وللإنسان كثير من