سورة الفرقان
الجزء ١١ · صفحة ٤٤٨تلك الحركات التّلقائية للتعبير عن حالته النّفسية، قال تعالى في هذا المعنى: (وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الاَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ) (آل عمران:119). ومنها التّعبير بقرع السنّ للندم، قال ابن زيدون:
ودّع الصّبر محبّ ودّعك يقرع السّن على أن لم يكن ذائعا من سرّه ما استودعك زاد في تلك الخطى إذ شيّعك
وجيء بوصف الظّالم على صيغة المفرد للدّلالة على التّحسّر الذّاتي لكل ظالم مما يزيد في غمّه وشقائه، و"أل" فيه إما للجنس فتعمّ كل الظّالمين، وإمّا أن تكون للعهد المخصوص، كما قيل في أسباب النّزول مما ذكره الرّواة في قصة عقبة بن أبي معيط عندما أغراه أمية بن خلف، فبصق في وجه الرّسول، وكفر بعد أن نطق بالشّهادتين.
ويقول هذا الظّالم المتحسّر بلسان حاله: (يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً، يَا وَيْلَتَىا لَيْتَنِي لَمَ اتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلاً)، فهو يتمنى ما لا يمكن تداركه مما قصّر فيه، وهو يندب حظه -أيضا- مما حصل باختياره في الحياة الدّنيا، فيقول:
أ) - (يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً): أي يتمنّى الظّالم أن لو سلك طريق الهدى مع الرّسول، أي يكون من أتباعه في السّير على طريق الحق الذي يوصل إلى الطّمأنينة والسّعادة، وإنها مجرّد أمنية يعزّي الظّالم بها نفسه في موقف لا تنفع فيه الأماني، كما قال تعالى في سورة النّساء: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلآَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَّعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا) (123).
ب) - (يَا وَيْلَتَىا لَيْتَنِي لَمَ اتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلاً): ومع استحضار ماضيه الدّنيويّ يضيف هذا المفجّع بقوله: (يَا وَيْلَتَى)، فهو ينادي هلاكه مبالغة في التّعبير عن شدة