سورة الفرقان
الجزء ١١ · صفحة ٤٥٤لقد طعن الذين كفروا في حقية القرآن من قبل كما ورد في أوّل السّورة إذ قالوا عنه:
أ) - (إِنْ هَذَآ إلآَّ إِفْكٌ اِفْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ -اخَرُونَ) (4).
ب) - (وَقَالُواْ أَسَاطِيرُ الاَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىا عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) (5).
وها هم هنا يتابعون ترديد تعلاتهم في التّكذيب بالقرآن بادعائهم أنه لو كان من عند الله لنزل جملة واحدة لا مفرقا آية آية، وربما كان ذلك الادّعاء إيحاء لهم من أهل الكتاب لقصد النّيل من قدسية القرآن، إذ هم يجهلون كيف نزلت الكتب الأخرى على الرّسل، فلم يؤثر عن أي كتاب منها أنه نزل جملة واحدة، وللرّدّ على هذه الشّبهة الباطلة بيّن الله الحكمة من إنزال القرآن منجّما مفرقا، وغطّى ذلك من الفترة الزّمنية مدة ثلاث وعشرين سنة، ثلاث عشرة منها في مكة المكرمة وعشر في المدينة المنوّرة، فقال تعالى في بيان الحكمة من ذلك:
أ) - (كَذَالِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً): أي أنزلناه كذلك مفرّقا لإيناس قلبك أيها الرّسول وتثبيته على تحمّل متاعب الدّعوة والتّبليغ للناس، وذلك بإيناسك بحضرة جبريل عليه السلا، واستمرار نزول الوحي، فيطمئن لذلك قلبك، أولم يطعن هؤلاء الكفار أنفسهم في رسول الله عند انقطاع الوحي عنه في أوّل بعتثه عليه السلا لإزالة الخوف عنه وإثارة التّشويق؟، حتى قالوا طعنا في دعوى رسالته: إن محمدا قلاه ربّه، فنزل قوله تعالى: (وَالضُّحَىا، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىا، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىا، وَلَلاَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الاُولَىا، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) (1 - 5).
والحكمة الثّانية هي أن يكون مرتّلا في تأليف معانيه وصياغة مبانيه على نسق هو في غاية الإعجاز البياني، بحيث تحدّاهم أن يأتوا ولو بسورة من مثله، ولا