نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الفرقان

الجزء ١١ · صفحة ٤٥٥

يتأتى ذلك التّحدّي إذا نزل القرآن كله جملة واحدة، كما أمر الله بحسن ترتيله قراءة وأداء ببيان مخارج حروفه وحركاته في تمهّل، وفق ما أمر الله به رسوله في تلقيه عن جبريل عليه السلا إذ قال: (لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) (القيامة:16 - 19).

ثم إن القرآن الكريم جعله الله منهاج حياة كامل جاء ليخرج النّاس من الظّلمات إلى النّور، وذلك بإصلاح أوضاعهم الفاسدة وترشيد حياتهم على منهج الحق والعدل، ويقتضي ذلك التّدرّج في تقرير الأحكام وسنّ الآداب والتّمكين للأخلاق الكريمة كما فعل في تحريم الخمر والميسر وتنظيم شؤون الأسرة وإلغاء التّعامل الفاسد … إلخ، وكان المخاطبون به في وقت التّنزيل أميين لا يمكن أن يستوعبوا ما أنزل عليهم كتابة، بل كانوا يعتمدون على حفظه في الصّدور، وذلك لا يتأتى لهم لو نزل عليهم جملة واحدة.

وهكذا سدّ الله عليهم منافذ الشّكوك والشّبه، فقال جلّ من قائل: (وَلاَ يَاتُونَكَ بِمَثَلٍ اِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا)، والمثل هو الحال والصّورة المشابهة، وجيء به منكّرا في سياق النّفي للتّعميم، فيتناول كل محاولة للتشكيك، سواء في صدق القرآن أو حقية رسالتك، يدمغ الله باطلهم بالحق المبين مما ينزله عليك، فيكون أحسن بيانا وأقوى حجة ليزداد الذين آمنوا إيمانا.

ثم بين عاقبة إصرارهم ولجاجهم فقال: (الذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىا وُجُوهِهِمُ إِلىَا جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلاً)، وفي هذه الصّورة البشعة من حشرهم على وجوههم إلى جهنم تهديد ووعيد لأولئك المتنطعين المنكرين للبعث، وهم يرون أنفسهم أعلى مكانا وأشرف منزلة من الرّسول وأصحابه المستضعفين، أولم يقولوا: (نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) (سبأ:35). بل تطاولوا لمقام

٣٬٧٩٥ / ٦٬٧٦٧