سورة الفرقان
الجزء ١١ · صفحة ٤٥٦الرّبوبية والملأ الأعلى حين طلبوا رؤية الله والملائكة؟، فكان من المناسب أن يجيء مثل هذا التّهديد الشّديد تسلية لرسول الله وأصحابه، حين بلغ الضّيق ببعضهم فشكوا إلى رسول الله ما هم عليه من الذّلة والمهانة وطلبوا منه أن يستنصر لهم كما نصّ عليه حديث خباب بن الأرت فجعل رسول الله يقوّي من عزيمتهم ويحرّضهم على الصّبر ويقول: «والله ليتمّنّ هذا الأمر حتى يسير الرّاكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله والذّئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون». (1)
أما كيفية الحشر على الوجوه، أو سحبهم عليها كما ورد في قوله تعالى: (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَىا وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ) (القمر:48). أو حشرهم عميا وبكما وصمّا، فهي كلها صور للعذاب الذي ينتظرهم والله أعلم بكيفياته، وفي كل تلك الصّور البشعة هم يجازون بعكس ما كانوا عليه في الدّنيا من التّعاظم والكبرياء حين يحشر المؤمنون الأوفياء ورؤوسهم مرفوعة ووجوههم وضيئة وهم مكرّمون بتحية ملائكة الرّحمة، ولذلك ذيّل الله هذا المشهد بقوله: (أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلاً): الإشارة البعيدة إلى المشركين المعذبين كيف أصبحوا في حطة ومهانة، إذ ضلّوا عن سبيل الهداية وأنكروا الحق، وأنهم هم الأرذلون.
ثم يذكر الله مصارع المكذبين من الأمم الخوالي، في لقطات مختصرة، زيادة في تسلية رسول الله وتهديد المكذبين به فقال جلّ من قائل: (وَلَقَدَ -اتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا، فَقُلْنَا اذْهَبَآ إِلىَ الْقَوْمِ الذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا).
جاءت الجملة معطوفة ومؤكدة بلام القسم و"قد" للتأكيد على صدق ذلك الإيتاء، والكتاب هو التّوراة، إذ كانت تكتب وتحفظ. والبدء بموسى وقومه لأنهم