نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الفرقان

الجزء ١١ · صفحة ٤٥٧

أقرب زمنا من غيرهم، ولأن المخاطبين في وقت التّنزيل كانوا على معرفة من أخبارهم، ثم لقوة الشّبه بين مواقف المشركين في مكة، وعناد فرعون وجبروته، مما حدا بموسى عليه السلا أن يطلب من ربّه تأييده بأخيه هارون، إذ قال: (وَاجْعَلْ لِّي وَزِيرًا مِنَ اَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي) (طه:29 - 32).

وهنا يقول تعالى: (وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا)، أي يؤازره ويعاونه في مسؤولية التّبليغ لفرعون، وعن حكمة ذلك التّأييد يقول الإمام ابن عاشور: "والتّعرض هنا إلى تأييد موسى بهارون تعريض بالرّدّ على المشركين إذ قالوا: (لَوْلآَ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا) (7)، فإنّ موسى لما اقتضت الحكمة تأييده لم يؤيّد بملك ولكنه أيّد برسول مثله" (1).

وقد وصف الله قوم فرعون بأنهم كذبوا بآياتنا أي بصيغة الماضي، لإفادة ما سبق في علم الله من تكذيبهم لما جاء به موسى بعد إبلاغه لهم، ثم إن من قوم فرعون حينذاك بني إسرائيل، وهم كانوا على دراية بآيات الله مما سبق فيهم من الرّسل، ولا شكّ أن الأقباط من قوم فرعون يكونون قد تأثروا بوجود بني إسرائيل بينهم، وأن موسى وأخاه هارون قد أظهروا لهم ما أيدهما الله به من الآيات الكثيرة فكذبوا بها فكان جزاؤهم التّدمير البالغ الشّديد، وذلك بالإغراق في اليمّ وأخذهم بالسنين كما هو مفصّل في السّور الأخرى.

(وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُواْ الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ ءَايَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا اَلِيمًا): (وَقَوْمَ نُوحٍ) معطوف على الجملة السّابقة على اعتبار أن الله دمّرهم بالإغراق بسبب تكذبيهم للرّسل، هكذا بصيغة الجمع؛ لأن تكذبيهم لرسولهم "نوح" يستلزم التّكذيب بجميع الرّسل، إذ كانوا أول المكذبين، والمعتقدين

٣٬٧٩٧ / ٦٬٧٦٧