سورة الفرقان
الجزء ١١ · صفحة ٤٥٨باستحالة أن يكون الرّسول بشرا مثلهم، أما جعلهم للنّاس آية، فلأن حادثة الطّوفان كانت من الغرابة في التّاريخ البشريّ بحيث بقيت عبرة للأجيال في قدرة الله على إهلاك الخلق كلهم والإتيان بخلق جديد، إن هم تحدّوا الله بالكفر والضّلال، والتّعقيب بقوله تعالى: (وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا اَلِيمًا)، أظهر في مقام الإضمار للدّلالة على أن الظّلم بالشّرك وتكذيب الرّسل ينجرّ عنه من الله العذاب الأليم سنّة مطّردة في خلقه.
(وَعَادًا وَثَمُودًا وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُوناَم بَيْنَ ذَالِكَ كَثِيرًا، وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ الاَمْثَالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا): عطف على قوم نوح، وعاد هم قوم هود كما أن ثمود هم قوم صالح، وأما أصحاب الرّسّ فقد اختلف المفسّرون في تعيينهم على اختلاف تفسيرهم للفظ "الرّسّ"؛ لأن المعنى اللّغويّ له هو الأثر القليل الموجود في الشّيء، ويروى أنه اسم لبئر عظيمة، كان يمتلكه أولئك القوم المكذبون وقد أطلق العرب هذا الاسم لكثير من الأماكن، فالله أعلم بهم، غير أن لزّهم في قرن واحد مع قوم نوح وعاد وثمود يدلّ على أنهم بلغوا أقصى غايات العداوة للمؤمنين وعاثوا في الأرض فسادا فكانت عاقبتهم واحدة في التّدمير والإهلاك بعد أن أقام الله عليهم الحجة كما فعل بالقرون الكثيرة المتوالية أو المتخللة لأولئك الأقوام العتاة.
وبما أن المقصود من ذكر ذلك هو إضاعة الاعتبار من قريش بذلك، أعقبه بذكر ما هو أظهر لأنظارهم وأكثر تنبيها لهم بذكر ما نزل من العذاب على قرى قوم لوط، وهم يمرّون عليها في رحلة الشّتاء إلى الشّام: (وَلَقَدَ اَتَوْاْ عَلَى الْقَرْيَةِ التِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ اَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُورًا).
الاقتران بلام القسم والتّغيير في أسلوب النّصّ بحكاية واقع المشركين في عدم الاعتبار هو لتأكيد معنى التّعجيب، تمهيدا للإضراب الانتقالي الذي يبين فيه سبب ذلك.