نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الفرقان

الجزء ١١ · صفحة ٤٦٢

المبطلين المتعجرفين في كل زمان ومكان.

غير أن الحق لا تنطمس معالمه ولا تدحض حججه، فكان من المولى تبارك وتعالى هذه الإجابة الدّامغة: (وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنَ اَضَلُّ سَبِيلاً)، تهديد بالعذاب المنتظر، والأظهر أن يكون عذابا دنيويا، وقد طال الكثير من أولئك الطّغاة المستهزئين، كما حدث لأبي جهل يوم بدر، وفي هذه الإجابة قطع لشجن المجادلة في أسلوب تهكّمي بإرجاء المجادل إلى حين نزول العذاب فيرى حينئذ من هو أشدّ ضلالا من الفريقين، في يوم لا ينفع فيه النّدم، إذ ينكشف الغطاء وتنجلي الحقيقة.

وبما أن معاناة الرّسول كانت شديدة مع هذا النّوع من الإذاية والإعراض، وهو الرّؤوف الحريص على هداية قومه، فإن الله تعالى يسلّيه ويخبره بأحوال أولئك المتمرّدين بأن لا ترجى هدايتهم البتة فقال تعالى: (اَرَآيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً).

الخطاب موجّه إلى رسول الله، وقد طرح الله قضية غريزية في الإنسان بميله إلى إشباع شهواته بمختلف اللّذات، وأنّ النّاس يختلفون بأهوائهم في ما يأخذون وما يدعون، وقد يغالي أحدهم في اتّباع هواه إلى درجة أن يجعله إلهه المعبود لا يردّ له طلبا مهما انحطّ في دركات البهيمية، وحينئذ لا يلتفت إلى حق، ولا يسمع نصيحة، شأن هؤلاء الكفار، ومن كان ذلك شأنه فما عليك -أيها الرّسول- من هدايتهم من شيء، ولا أن تكون عليهم وكيلا تهتمّ بأمورهم حتى تصرفهم عما هم عليه من الضّلال والكفر؟، والاستفهام في الآية للتعجيب والاستهزاء يؤكده تعالى بقوله: (اَمْ تَحْسِبُ أنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمُ إلاَّ كَالاَنْعَامِ بَلْ هُمُ أَضَلُّ سَبِيلاً).

(اَمْ) تحمل هنا معنى الاستفهام والإضراب معا، لتدل على ما هو أشدّ

٣٬٨٠٢ / ٦٬٧٦٧