نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الفرقان

الجزء ١١ · صفحة ٤٦٥

معنى مزدوج، فهو بمعنى: خلّى وأرسل، أو بمعنى: خلط بغير امتزاج، وكلا المعنيين يناسبان البحرين؛ لأنهما قد يجري كل منهما في مجراه من غير امتزاج، وقد يتجاوران ويختلطان. (هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ اُجَاجٌ): يقال ماء فرات: أي شديد العذوبة، ضدّه: ماء أجاج: شديد الملوحة. (وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا): البرزخ: الحائل بين شيئين، "حجرا" مصدر منصوب على أنه مفعول به، أي حدّا محدودا، والوصف للدّلالة على التّمكن. (فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا): مصدران سميّ بهما صنفان من القرابة من جهة الذّكور والإناث والتّقدير: ذا نسب وذا صهر، والنّسب لا يخلو من أبوّة وبنوّة وأخوّة، أما صهر الرّجل فقرابة امرأته، وصهر المرأة قرابة زوجها.

ج) - أوجه القراءة:

(أَرْسَلَ الرِّيَاحَ): قرأ الجمهور: (الرِّيَاحَ) بصيغة الجمع. وقرأ ابن كثير (الرّيح) بصيغة الإفراد على معنى الجنس. (نُشُراَ): قرأ الجمهور بنون في أوله وبضمتين، جمع: "نشور"، كـ"رسول" و"رسل"، وقرأ ابن عامر بضمّ فسكون على تخفيف الحركة، وقرأ حمزة والكسائي وخلف بفتح النّون وسكون الشّين، على أنه من الوصف بالمصدر، وكلها من النّشر، أي البسط، وقرأ عاصم بباء موحّدة وسكون الشّين، جمع: "بشور" من التّبشير، لأنها تبشر بنزول المطر. (مَيْتًا): قرأ الجمهور بإسكان الياء، وقرأ أبو جعفر بتشديدها. (لِيَذَّكَّرُواْ): قرأ الجمهور بتشديد الذّال وتشديد الكاف مدغمة فيها التّاء؛ لأن أصله: (لِيَذَّكَّرُواْ) وقرأ حمزة والكسائي وخلف بسكون الذّال وتخفيف الكاف مضمومة.

د) - البيان والتّفسير:

ما أهون شأن المعرضين عن التّأمّل والنّظر في الحقائق الوجودية الدّالة على وجود الصّانع المدبّر الحكيم، فبعد أن بيّن المولى تبارك وتعالى أنهم أضلّ سبيلا من البهائم العجماء ساق هنا أدلّة قاطعة هي مجالات لإبراز قدرة الله، ونحن لا نكاد نتأملها لاعتيادنا على رتابتها في حياتنا، وهي كلها آيات صامتة جاءت الآيات النّاطقة لتنبيهنا إليها، وذلك من فضل الله علينا حتى لا نغفل، فقال جلّ من قائل: (اَلَمْ تَرَ إِلىَا رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً، ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا).

امتداد الظّل وتقلصّه ظاهرة طبيعية نشاهدها ونسارع إلى تفيّء ظلالها، بل ونتفنن في مدّ العرائش والمظلات الصّناعية لاستبقائها، ولكن قلمّا نتذكر صنعة الخالق الحكيم في تسخير تلكم الأسباب العظيمة لإيجاد تلك الظّاهرة العجيبة، وفي مفتتح هذا النّصّ الكريم يخاطب الله الرّسول وكل مستمع للقرآن أن يتدبّر ذلك الصّنع العجيب كيف يتمدّد ويتقلّص، مع سريان الشّمس من مشرقها إلى مغربها، ويتمّ ذلك بتدرّج وبطء حتى لا ينزعج الرّاؤون بما يشاهدون، والاستفهام تقريريّ: (اَلَمْ تَرَ). والرّؤية إلى ظاهرة امتداد الظّل بصرية، بينما هي علمية بالنّظر إلى صنعة الخالق.

وقوله تعالى: (وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا) للتّدليل على أن في امتداد الظّل وتقلّصه بتلك الكيفية منّة من الله على خلقه؛ إذ لو بقي ساكنا ثابتا على حال واحدة لتعطلت كثير من المنافع والفوائد على كثير من المخلوقات.

(ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً): أي إن ضوء الشّمس هو الذي يدلّ على الظّل؛ لأن الشّيء يتمّيز بضدّه، ولأن هذه العملية تتم ببطء وتدرّج وفي تلازم بين ضوء الشّمس وظل الأشياء تمدّنا أو انقباضا كان العطف بـ"ثم" التي تدلّ على التّراخي، وكان الانتقال من صيغة الغائب في ذكر الظّاهرة بصفة عامة أوّلا.

وعند بيان القدرة الإلهية في الصّنع والتّكييف انتقل السّياق إلى صيغة المتكلم

٣٬٨٠٥ / ٦٬٧٦٧