سورة الفرقان
الجزء ١١ · صفحة ٤٦٦بنون العظمة فقال تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً، ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا)، أي يتمّ ذلك رويدا رويدا، حتى يعمّ الظّلام بعد غروب الشّمس إذ تختفي بقدرة الله الأضواء والظّلال.
وقد أشاد الله كثيرا بهذه الظّاهرة الطّبيعية في القرآن بل جعلها من العلامات المميّزة لدار النّعيم، فقال تعالى:
أ) - (مَثَلُ الْجَنَّةِ التِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وَظِلُّهَا) (الرّعد:35).
ب) - (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ) (المرسلات:41).
ج) - (لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً) (النّساء:57).
ومن أحسن ما قيل في وصف الظّل لدوحة فينانة ما قالته الشّاعرة حمدة بنت زياد الأندلسية:
وقانا لفحة الرّمضاء واد نزلنا دوحه فحنا علينا تروع حصاه حالية العذارى يصدّ الشّمس أنّى واجهتنا سقاه مضاعف الغيث العميم حنوّ المرضعات على الفطيم فتلمس جانب العقد النّظيم فيحجبها ويأذن للنّسيم
(وَهُوَ الذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا): اختلاف الليل والنّهار آية أخرى لعظمة الله وقدرته تكرر ذكرها في القرآن بصيغ مختلفة، وللتفنن في أسلوب الكلام انتقل من أسلوب المتكلم إلى الغيبة وبصيغة القصر: (وَهُوَ الذِي)، ثم الإتيان بالتّشبيه البليغ ووجه الشّبه بين اللّيل واللّباس هو السّتر والتّغطية، والمناسبة شديدة بين ذكر الظّل تتبعه ظلمة اللّيل والنّوم خلالها إذ قال تعالى: (وَالنَّوْمَ سُبَاتًا)، أي القطع عن الحركة، والنّوم جبّار لا يقهر كما تقول الحكمة، فساعة تدبّ سنة النّوم في أوصالك فلا يسعك إلا أن تنام ولو كنت فوق العراء، ولا يتمّ النّوم الهادئ المفيد للصحة إلا في جنح اللّيل حيث لا أضواء ولا صخب، إذ جعل الله النّهار مجالا للنّشاط الإنساني، فهم ينتشرون في أرجاء الأرض عملا وتعميرا. وسمّي ذلك نشورا تشبيها بالبعث والنّشور، إذ النّوم موت مؤقت تتم اليقظة بعدها إلى ما يشاء الله من عمر الإنسان، كما قال تعالى في سورة الأنعام: (وَهُوَ الذِي يَتَوَفَّاكُم بِاليْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضىآ أَجَلٌ مُّسَمًّى) (60).
وعلى التّذكير بنعمة تعالى في تجلّي النّهار لتدبير معايش خلقه أتبع ذلك بذكر منته عليهم في تسخير مادة حياتهم من الماء الطهور فقال: (وَهُوَ الذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ نُشُراَم بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً طَهُورًا، لِّنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَ كَثِيرًا).
لقد استقرأ الإمام الشّعراويّ في القرآن أن الرّيح إذا جاءت بصيغة المفرد فهي آتية بالشّرّ كقوله تعالى: (رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ اَلِيمٌ) (الاحقاف:24). وإن جاءت بصيغة الجمع كما في هذه الآية فهي دالة على الخير، وللرّياح فوائد جمّة أحصاها العلماء كما أوردها القرآن ومنها سوق السّحب إلى من يشاء الله لتجود ببركات السّماء مياها طهورة خالية من كل الشّوائب والأدران تجري بها الأنهار وتمتلىء خزائن الأرض فيحيى مواتها ويسقي بها الله خلائقه، وخصّ بالذّكر الأنعام والبشر لما بينها من التّرابط في تسخير المنافع وتدبير المعايش.
ثم قال تعالى: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبَىآ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا)، التّصريف هو التّغيير والتّحويل، والضّمير يعود إلى الماء الطّهور، وأكد الفعل بلام القسم و"قد" للتأكيد على التّعليل في قوله تعالى: (لِيَذَّكَّرُواْ)؛ لأن مجرّد نزول المطر