سورة الفرقان
الجزء ١١ · صفحة ٤٦٧أمر عاديّ قد لا يثير إحساسا برحمة المنعم، فيكون تصريف المطر، إما بتوزيع مقاديره بين مناطق الأرض المختلفة، أو بإمساكه على بعضها، يكون في ذلك تنبيه للغافل في معرفة قدرة الله وحكمته في ذلك التّصريف.
وقوله تعالى بعد ذلك: (فَأَبَىآ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا)، فعلى ذكر الكفر والجحود هنا يرى بعض المفسرين أن الضّمير في: (صَرَّفْنَاهُ) يعود إلى القرآن المفهوم من خلال العرض، حتى يتناسب ذلك مع الآية اللاحقة، بينما يرجّح الأكثرون الاحتمال الأول ويجعل الآية اللاحقة جملة اعتراضية بين ذكر دلائل قدرة الله وبيان مننه على خلقه، وهي قوله تعالى: (وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيرًا، فَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا).
فعلى كون هذه الآية معترضة خلال بيان أدلة قدرة الله، فهي ليست مقتضبة عن محاور السّورة الكريمة، في إثبات حقية القرآن وصدق الرّسول في دعوته، فقد أثبتت السّورة في مفتتحها شمولية الدّعوة الإسلامية لجميع العالمين، حتى لكأن الأمر جاء على غير المعتاد من الرّسل السّابقين في تخصيص كل أمة برسول وقد اقتضت حكمة الله أن تكون الرّسالة الخاتمة شاملة لكل العالمين، وأن يكون محمد بن عبد الله هو المكلّف بها والمتحمّل لأعبائها، ونحن نعلم مدى حزن رسول الله بإعراض قومه عنه وكيف دعا ربّه في إشفاق قائلا: (يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِيَ اتَّخَذُواْ هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا) (30)، وكيف جاءت تسلية الله له بتثبيت فؤاده وضرب الأمثال بالرّسل السّابقين. وخلال إثبات الأدلّة على عظيم قدرته تعالى تأتي هذه الآية لتزيل حيرة الرّسول في ما يتكبّده من ثقل الأمانة، وأن إلقاءها على كتفه وحده هي مشيئة الله الحكيمة، بل هي المنة الإلهية العظيمة على هذا الرّسول مما يزيد في فضله وشرفه، لأنه تعالى لو شاء لوزّع تلك الأمانة بين جمع من الرّسل يبعثهم لكل قرية، وما دام الأمر تنفيذا لإرادة الله فما عليك أيها الرّسول إلا أن تصابر وتجاهد، ونهيه عن إطاعة الكافرين ليس معناه أنه يفعل ذلك -حاشاه- وإنما هو التّحريض على الثّبات في المجاهدة والمصابرة. والضّمير في: (بِهِ)، يعود إلى القرآن؛ لأنه الرّسالة الإلهية في الدّعوة.
وليس من العفوية في شيء أن يتخلل هذه الآية بالذّات ذكر منته تعالى على خلقه بإنزال الماء، الذي هو العنصر الأهمّ في الحياة المادية للمخلوقات، فكذلك أهمية إنزال القرآن وما لتصريف آياته بين النّاس من الهداية والنّور، قال تعالى: (وَهُوَ الذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ اُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا).
تتتابع الأدلة على قدرة الله في الآفاق، فهذه الأمثلة القاطعة من شأنها أن لا يكابر فيها المعاندون؛ لأنها من المشاهد المحسوس، على أن وصف تلك الخاصية التي تكون بين الماء العذب والماء المالح من طرف الرّسول -وهو لم يشاهد البحر- دليل قاطع على أن القرآن من عند الله لو أن الكفار كانوا منصفين، وللإمام ابن عاشور ملحظ جيّد في تضمين هذه الآية تمثيلا لوضعية المسلمين مع المشركين في مكة إذ يقول: "وفي ضمنها تمثيل لحال دعوة الإسلام في مكة يومئذ واختلاط المؤمنين مع المشركين لحال تجاوز البحرين: أحدهما عذب فرات، والآخر ملح أجاج، وتمثيل الإيمان بالعذب الفرات والشّرك بالملح الأجاج، وأن الله تعالى كما جعل بين البحرين برزخا يحفظ العذب من أن يكدّره الأجاج، كذلك حجز بين المسلمين والمشركين فلا يستطيع المشركون أن يدسّوا كفرهم بين المسلمين، وفي هذا تثبيت للمسلمين بأن الله يحجز عنهم ضرّ المشركين لقوله: (لَنْ يَّضُرُّوكُمُ إِلآَّ أَذًى) (آل عمران:111)، وفي ذلك تعريض كنائي بأن الله ناصر لهذا الدّين من أن يكدّره الشّرك" (1).