نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الفرقان

الجزء ١١ · صفحة ٤٦٨

قلت: وضمن هذا التّمثيل المناسب تنبهنا تفسير الآية الكريمة، فإن قدرة الله هي التي وضعت الحواجز بين البحرين، ويقال للنّهر العذب بحر كنهر النّيل مثلا، قال الله في شأنه لأم موسى: (فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ) (القصص:7). فمعنى "مرج البحرين": يجري كلّ منهما في مجراه فلا يمتزجان. وقوله تعالى: (وَحِجْرًا مَّحْجُورًا) للمبالغة في عدم الاختلاط والمزج، إذ لكل من البحر الأجاج والعذب الفرات خواصّ ومنافع لا تتحقق إلا ببقاء كل واحد منهما على الوضعية التي خلقها الله عليها.

(وَهُوَ الذِي خَلَقَ مِنَ الْمَآءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا): وبمناسبة إنزال الماء الطّهور وجعله المادة الأساسية للحياة يأتي في سلّم الأدلة على قدرة الله في خلقة الإنسان، إذ خلقه من ماء له خواصّ أخرى تجعل منه بشرا سويّا هو في ذروة الكائنات كلها، وهو منيّ الرّجل الذي يلقح بويضة الأنثى فيتخلق من ذلك الذّكر والأنثى بقدرة الله. ثم أشار إلى الرّوابط الإنسانية بين أبناء البشر، فذكر النّسب والصّهر، فالنّسب ما يكون من جهة الذّكور من جهة الأبوة والبنوّة والأخوّة، وأما الصّهر فهو ما يكون من جهة المرأة بالمزاوجة، وعلى ذلك يقوم النّظام الاجتماعي لدى البشر، فتتلاحم الأسر وتشتد الأواصر، ويتمّ التّعارف بين النّاس دون أن تختلط الأنساب، أو يسود بين النّاس قانون الغاب، وتلك هي القدرة الإلهية التي أبدعت هذا الخلق العجيب وأقدرته على بناء الحضارات وعمارة الأرض.

والتّعبير بصفة الرّبوبية: (رَبُّكَ) وبصيغة المبالغة: (قَدِيرًا) مع ما تقتضيه: (كَانَ) من الدّوام والاستمرار للدّلالة على القدرة الإلهية المقتدرة الرّاسخة، والله أعلم.

توجيه الله لرسوله والتّعجيب من تعنّت المشركين.

٣٬٨٠٨ / ٦٬٧٦٧