نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الفرقان

الجزء ١١ · صفحة ٤٧٠

ولذلك فهم يلتمسون الرّحمة والنّفع من آلهتهم الباطلة، فجاء الإنكار عليهم في هذا النّصّ الكريم، فيأمر الله رسوله بالتّوكل عليه؛ لأنه المعبود الحق والمدبّر لملكوت السّماوات والأرض الخبير بشؤون عباده والمجازي لهم على ذنوبهم، فقال تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَىا رَبِّهِ ظَهِيرًا).

الرّابط بين هذه الجملة وما قبلها هو واو الحال، والمعنى: أن ما تقدم يبين قدرة الله بما لا جدال فيه لعاقل، والحال أن الكفار لا يتدبرون تلك الآيات ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرّهم يفعلون ذلك على وجه الاستمرار والدّوام وهم بذلك يظاهرون شياطين الإنس والجن على الله، بمعنى يعينونهم على معصية الله ومحادّته، أو يكون المعنى لـ (ظَهِيرًا) بمعنى الهوان والحطة، من قولهم تعالى: (وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيًّا) (هود:92). وقد جعل الله الكفر سببا في ذلك الموقف الشّائن؛ لأن الكافر هيّن على الله حقير.

(وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنَ اَجْرٍ اِلاَّ مَن شَآءَ انْ يَّتَّخِذَ إِلىَا رَبِّهِ سَبِيلاً): حصر الله مهمة الرّسول في البشارة والنّذارة ليردّ على مزاعم أعدائه بأنه طالب للجاه والمال، أو أنه ساحر أفّاك، أبطل الله تلك الدّعوى المنكرة بما يتضمن التّسلية لرسوله بأنه مبشّر ونذير بأمر الله وإرادته، ثم أمره بأن يخاطبهم بأنه غير طامع في جاه ولا مال، بل يدعو إلى الهداية والرّشد، والاستثناء في قوله: (اِلاَّ مَن شَآءَ انْ يَّتَّخِذَ إِلىَا رَبِّهِ سَبِيلاً) يكون معناه على اعتباره استثناء منقطعا هو انتفاء أي طلب للأجر من طرف الرّسول، إلا أن يكون المطلوب منه قد سلك طريقا إلى الله بحسن إيمانه واستقامته عن اختيار وقناعة، فذلك هو الأجر المطلوب، وهو الذي يحرص عليه رسول الله، سيما وهو في المراحل الأولى للدّعوة الإسلامية، وما أروع قوله تعالى: (اِلاَّ مَن شَآءَ)، إذ يؤكد بذلك كمال الاستغناء عنهم حتى في اختيارهم للهداية أو صدّها، تحقيقا لقوله تعالى: (فَذَكِّرِ اِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ، لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ) (الغاشية:21 - 22).

وبما أن مثل هذا الموقف القويّ في الدّعوة إلى الله يتطلب إرادة صلبة وسندا قويا فقد أمر الله رسوله بأن يتوكل عليه لأنه الحيّ الباقي فقال: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الذِي لاَ يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَىا بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا).

إنّ قطع الأسباب عن الخلق والاستغناء عنهم قد يجعل الإنسان في حيرة من أمره، فهذا رسول الله في موقف الاستغناء عن قومه وفي نفي سؤاله الأجر منهم في دعوته يحتاج إلى السّند القويّ الذي يؤازره ويرفع إليه حاجته، وليس له إلا ربّه الحيّ القيوم يتوكّل عليه ويفوّض الأمر إليه؛ لأنه الحيّ الذي لا يموت، والقويّ الذي لا يحتاج إلى غيره، إذ ما جدوى أن تتوجّه إلى من قد يتخلّى عنك وقت الشّدة، إمّا عجزا أو موتا أو مكرا، فتوكل على مولاك الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السّماء، فهو الإله الحقّ الذي لا تطرأ عليه عوامل التّغيير، فسبّحه ونزّه ذاته العلية من صفات النّقص، وأثن عليه بما هو أهل له، والرّسول قدوة لأمته في ذلك، وليس المقصود بالتّوكل على الله أن نترك الأسباب الظّاهرة في تدبير شؤوننا، بل نأخذ بها ونتوجه بقلوبنا إلى الله حتى ينجح مسعانا.

(وَكَفَىا بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا): تذييل مناسب لموضوع التّوكّل، إذ أن علمه تعالى بذنوب عباده ومجازاتهم بما يستحقون، من شأنه أن يؤكّد كفايته تعالى في نصرة المظلوم، ورفع الغمّ عن المهموم.

وللتّدليل على كفايته وقدرته أعقب وصف ذاته بالحياة بأنه هو خالق السّماوات والأرض وما بينهما فقال: (الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىا عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا)، وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية الكريمة وأن الأيام ليست بالتي نضبطها نحن باختلاف اللّيل والنّهار،

٣٬٨١٠ / ٦٬٧٦٧