نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الفرقان

الجزء ١١ · صفحة ٤٧١

بل هي الآماد الكونية الكبرى لخلقة السّماوات والأرض، وأن الاستواء على العرش هو كناية عن كمال الهيمنة والسّلطة في تدبير شؤون الكون. فعندما قال ربنا لرسوله: (وَكَفَىا بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا)، وبما سيعظم بعض النّاس كيف يتحقق ذلك على كثرة العباد وضروب حيلهم في المعاصي وتلفيق المعاذير؟، فجاءت هذه الآية الكريمة لتدلّ على قدرة الله في ما هو أعظم من ذلك وأوسع وهو إيجاد هذا الكون الفسيح وتدبير شؤونه بدقة وضبط، كما قال تعالى:

أ) - (مَا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمُ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ) (لقمان:28).

ب) - (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) (غافر:57).

وقوله: (الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا): لفظ: (الرَّحْمَنُ) خبر لمبتدأ محذوف، أي هو الرّحمن، فهو وصف جامع لما مضى من الكمالات، وأعظمها صفة "الرّحمانية" وهي المحور الذي يدور عليه أمر الخلق والتّكوين، وبالتّالي هي الصّفة الأنسب لقضية التّوكل، إذ يلبّي حاجات عبده بما يطمئن خاطره ويطيّب نفسه.

والتّفريع بقوله تعالى: (فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) يعني أن أسرار الخلق في الأنفس والآفاق لا يعلم حقيقتها إلا الله تعالى، وإن ادّعى بعض النّاس المعرفة في ذلك. فإذا أردت -أيها الإنسان- المعرفة الحقيقية لما يخفى عليك من أسرار القدرة الإلهية ومن ألطافها ورحماتها فاسأل الخبير الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السّماء.

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُواْ لِلرَّحْمَنِ قَالُواْ وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَامُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا): وإذ كان المشركون ينكرون من صفات الله "الرّحمن" فقد ورد أنهم كانوا يقولون: "أنظروا إلى هذا الصّابئ ينهانا أن ندعو إلهين وهو يدعو الله ويدعو الرّحمن، فنزل قوله تعالى: (قُلُ ادْعُوا اللهَ أَوُ ادْعُوا الرَّحْمَنَ) (الإسراء:110).

٣٬٨١١ / ٦٬٧٦٧