سورة الفرقان
الجزء ١١ · صفحة ٤٧٢-كما تقدم في تفسير سورة الإسراء-، ومن غلوّهم في العناد أنهم قالوا: ما نعرف الرّحمن إلا ذاك باليمامة، وهو مسيلمة الكذاب إذ قال فيه شاعر باليمامة:
سميت بالمجد بابن الأكرمين أبا وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا
وفي استفهامهم بـ"مَا" تطاول وسخرية واستهتار، لأنهم لا يعرفون -في زعمهم- إلا اسم الله، ولذلك استنكروا السّجود لغير آلهتهم؛ لأن الرّسول بأمرهم بالسّجود لله، فهم يأبون الطّاعة للرّسول بقطع النّظر عن السّجود لمن، وذلك ما يؤكده قوله بعد ذلك: (وَزَادَهُمْ نُفُورًا).
وقيل: إن رسول الله سجد بعد هذه الآية مخالفة لموقفهم، وسنّ السّجود لأمته في هذه الآية.
ثم يعود السّياق إلى متابعة بيان قدرته تعالى في الآفاق فقال: (تَبَارَكَ الذِي جَعَلَ فِي السَّمَآءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا، وَهُوَ الذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنَ اَرَادَ أَن يَّذَّكَّرَ أَوَ اَرَادَ شُكُورًا).
الآية على الاستئناف الابتدائي مصدّرة بفعل: (تَبَارَكَ)، بمعنى: عظمت خيراته وبركاته وعلا قدره وشأنه. والبُروج: هي مواقع النّجوم ومنازلها في السّماء، وخصّ بالذّكر الشّمس والقمر لأنهما أشدّ ارتباطا بحياتنا ومعاشنا، فهو تعالى يمتن علينا بما أودع في القمرين من النّور والحرارة، ويردّ على أولئك المستهترين من الكفار الذين ينكرون معرفتهم للرّحمن.
ومن دلائل رحمته العظيمة تلك البروج السّماوية التي وضعوا لها أسماء وصنفوها لمعرفة منازل الكواكب، وتتعرض الآية إلى ظاهرة اللّيل والنّهار في تقلّبهما ليخلف أحدهما الآخر، وبما أن الإنسان في إلفه للوتيرة الواحدة في أيّ نظام قد يغفل ويسهو، كان اختلاف اللّيل والنّهار مجالا للتأمّل والتّدبّر في صنع الله، وأن