نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الفرقان

الجزء ١١ · صفحة ٤٧٧

فما هي تلك الصّفات التي امتدحهم الله بها؟.

أ) - الصّفة الأولى: "التواضع".

قال تعالى: (الذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الاَرْضِ هَوْنًا): يتردد التّفسير بين اعتبار: (هَوْنًا) حالا بمعنى: "هيّنين"، أي يتسمون بالسّكينة والوقار في معاملتهم للناس وفي جميع تصرفاتهم. وإذا كان: (هَوْنًا) صلة لمصدر المشي المحذوف، فيكون المعنى أنهم غير متعجرفين في مشيهم كما يفعله المتجبّرون، إذ يقرعون الأرض بأرجلهم كبرا وخيلاء. يقول سيد قطب في توجيه صفة المشي بالهون، يقول: "فالمشية ككل حركة تعبير عن الشّخصية وعمّا يستكن فيها من مشاعر، والنّفس السّويّة المطمئنة جادّة قاصدة، فيها وقار وسكينة، وفيها جدّ وقوة، وليس معنى: (يَمْشُونَ عَلَى الاَرْضِ هَوْنًا) أنهم يمشون متماوتين منكّسي الرّؤوس، متداعي الأركان، متهاوي البنيان كما يفهم بعض النّاس ممن يريدون إظهار التّقوى والصّلاح". (1)

قلت: ربّ ماش بسكينة ووقار وفي نفسه كبر وغلّ وحسد يخدع النّاس بسمته ووقاره ليتصّيد المنافع العاجلة، كما قال محمود غنيم:

كم لحية أجدى على ربّها من ألف سهم بيد الصّائد

وقد نهى الله تعالى عن مشية الاختيال فقال:

أ) - (وَلاَ تَمْشِ فِي الاَرْضِ مَرَحًا اِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الاَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً) (الإسراء:37).

ب) - (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الاَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) (لقمان:19).

ج) - (وَلاَ تُصَاعِرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي الاَرْضِ مَرَحًا اِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (لقمان:18).

هذا وقد وصف الصّحابة مشية رسول الله وهو المثل الأعلى في التّواضع فقالوا عنه: "إنه عليه السلا إذا زال زال تقلّعا، ويخطو تكفّؤا، ويمشي هونا، ذريع المشية، إذا مشى كأنما يحطّ من صبب".

وخلق التّواضع لم يرد في القرآن بهذا اللّفظ، ولكن وردت ألفاظ أو تعابير تصويرية تدلّ عليه، فمن الألفاظ قوله تعالى في صفة أصحاب رسول الله: (وَالذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ) (الفتح:29). فالرّحمة من خلق التّواضع، ومن التّعابير التّصويرية قوله في حق الوالدين: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) (الإسراء:24). وقوله لرسول الله في حق المؤمنين: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُومِنِينَ) (الحجر:88). وضدّ التّواضع: "التّكبّر"، وقد شن القرآن حملة شعواء على المتكبرين الطّغاة، فنهى عن كل مظاهر الكبر من الاختيال والبطر وتصعير الخدّ ورفع الصّوت. فإن الله تعالى ينفي حبّه عن المختال الفخور ويتوعده بالخذلان والضّلال بقوله:

أ) - (كَذَالِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَىا كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) (غافر:35).

ب) - (اَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ) (الزّمر:60).

ويتجلّى خلق التّواضع في تصرفات عباد الرّحمن، في علاقاتهم بالله إجلالا وخضوعا وقناعة بحكمة ما شرع، ورضى بما حكم وقضى به، ومع رسول الله حبّا وتقديرا واقتداء بسنته، ومع خلق الله رحمة ولينا في العشرة، ووفاء بحقهم في المعاملة. وقد ورد في الحديث: «ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، ولا تواضع أحد إلا

٣٬٨١٧ / ٦٬٧٦٧