سورة الفرقان
الجزء ١١ · صفحة ٤٧٨رفعه الله» (1). يقول الإمام ابن القيّم في معنى الآية: "إذا كان الله قد رضي أخاك المسلم عبدا أفلا ترضى أنت به أخا؟ ".
والبدء بهذه الصّفة الكريمة لعباد الرّحمن دليل قاطع على ما لها من قيمة عند الله، ويتفرع عنها كل الصّفات الأخرى من الأخلاق الكريمة المذكورة في الآيات اللاحقة؛ لأن التّواضع يدلّ على قوة الشّخصية، وذلك بالتّحكّم في القوة الغضبية المودعة في ذات الإنسان، فهو يوظفها بمقدار ما تدعو إليه الحاجة في الحفاظ على الكرامة وضمان البقاء.
ب) - الصّفة الثّانية: الحلم.
قال تعالى: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَمًا)، يقول الإمام ابن عاشور: "ولأجل المناسبة بين الصّيغتين عطفت هذه على الصّلة الأولى، ولم يكرّر اسم الموصول كما كرّر في الصّفات بعدها". (1)
قلت: إن المشي على الأرض يقتضي مخالطة النّاس في الشّوارع والأسواق وغيرها من الأماكن العامة، فيتعرض الإنسان إلى صنوف من الخلائق قد يستنفزه البعض منهم فيكون منه ردّ الفعل بطبيعة الحال.
وهنا يتميّز العاقل عن غيره بما يتوفر لديه من الرّزانة وضبط النّفس، والإنسان معقود بلسانه، فإذا كان عباد الرّحمن بتواضعهم في معاملة النّاس لا يمكن أن يصدر منهم أذى لغيرهم تكرّما وإباء للظلم، فكيف يواجهون الأذى حين يأتي من قبل السّفهاء الجاهلين؟.
إن الرّدّ يكون بقولهم لهؤلاء: (سَلاَمًا)، بمعنى السّلامة أو بمعنى التّحية المعهودة، فإن هذا الرّدّ يعني المتاركة بين الطّرفين، لا خير فيها، وكم للفظ السّلام في التّحية من أثر نديّ في النّفوس الجموحة يفعل فعله في إسكات الغضب وتهدئة الثوران، والنّفوس العظيمة لا تستخفها جهالة الحمقى ولا تستفزها سفاهة الجاهلين؛ لأن في مهامّها العظمى وانشغالاتها الكبرى ما يدفعها إلى التّرفع عن سفاسف الأمور صونا لكرامتهم وحفاظا على قدرهم وشرفهم، وشحّا بأوقاتهم أن يضيّعوها في المهاترات. وقد قال الشّاعر الحكيم:
لو كل كلب عوى ألقمته حجرا لأصبح الصّخر مثقال بدينار
فمن أسماء الله الحسنى "الحليم" يقول تعالى: (قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذىً وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ) (البقرة:263). وقد عرف الحكماء الحلم بأنه الأناة وضبط النّفس، أي أنه إخضاع النّفس لسلطة العقل، وتأتي هذه الصّفة وسطا بين رذيلتين: الغضب والبلادة.
ورسل الله هم النّموذج الأعلى في الحلم، وقد أشاد بهم القرآن الكريم لهذه الصّفة في قصصهم مع أقوامهم، ولا شك أن سيّدنا محمدا صلى الله عليه وسلم هو في القمة بهذا الخلق الكريم، فالله يقول له: (خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف:199). ودون الأنبياء والرّسل تأتي مراتب الأولياء والصّلحاء ومنازل العظماء والحكماء، وكم في سير الرّجال من قصص مثيرة تروى في الحلم.
وكان العرب في جاهليتهم تغلب عليهم الغضبية في الانتقام فيبالغون في العقوبة ويغالون في الأخذ بالثأر وقد قال قائلهم:
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا