سورة الفرقان
الجزء ١١ · صفحة ٤٧٩ولكن الإسلام هذب نفوسهم وألان من شكيمتهم بل حوّل تلك الغضبية القبلية إلى أعداء دينهم حتى استحقوا من الله الوصف الكريم: (وَالذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ) (الفتح:29). والقرآن الحكيم في إرشاده لم يخنق فيهم تلك الغيرة وذلك الحماس في الدّفاع عن ذمارهم وكرامتهم، بل وجهها إلى الحدّ المعقول بمثل قوله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ) (النّحل:126). وبمثل قوله في سورة الشّورى -وقد نزلت في مكة والكفر في عنفوانه وزهوه- قال تعالى: (وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ، اِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الاَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ اَلِيمٌ، وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَالِكَ لَمِنْ عَزْمِ الاُمُورِ) (الشّورى:40 - 43).
ج) - الصّفة الثّالثة: التّهجّد.
قال تعالى: (وَالذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا)، هذه هي الصّفة الثّالثة لعباد الرّحمن معطوفة على ما قبلها بإعادة الموصول: (الذِينَ) للتأكيد؛ وقدم الجارّ والمجرور المتعلقان بـ"سجّد" للدّلالة على القصر، فهم لا يسجدون لغير ربّهم، وهم كما قيل عنهم: أسود النّهار ورهبان اللّيل، جهادهم لا يتقيد بزمان ولا مكان. وقد وردت نصوص أخرى في القرآن والسّنة تشيد بقيام اللّيل للتهجّد زيادة على ما فرضه الله على عباده لتركيز روح المبادرة إلى الخير، والتّنافس في أعمال البرّ فقال جلّ من قائل:
أ) - (تَتَجَافَىا جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) (السّجدة:16).