نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الفرقان

الجزء ١١ · صفحة ٤٨٠

ب) - (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، -اخِذِينَ مَآ ءَاتَاهُمْ رَبُّهُمُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَالِكَ مُحْسِنِينَ، كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالاَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (الذّاريات:15 - 18).

ج) - (أَمَنْ هُوَ قَانِتٌ -انَآءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآئِمًا يَحْذَرُ الاَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ) (الزّمر:9).

فهذه النّصوص الكريمة تؤكد ما ورد في هذه الصّفة لعباد الرّحمن، من أنهم يبيتون لربهم سجّدا وقياما، وليس المراد من فعل: (يَبِيتُونَ) بأنهم لا ينامون اللّيل كله، بل المقصود من التّهجّد هو القيام من النّوم لأجل العبادة.

وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أيحسب أحدكم إذا قام من اللّيل كلّه أنه قد تهجّد، إنما التّهجّد الصّلاة بعد رقدة، ثم الصّلاة بعد رقدة، ثم الصّلاة بعد رقدة». (1)

ويؤيّد ذلك قوله تعالى: (تَتَجَافَىا جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ) (السّجدة:16).، أي أنه قد حصل لهم نوم قبل قيامهم للصلاة، والتّحريض على الإتيان بالنّوافل تدريب للمؤمن على الاستزادة من فعل الخير للاستشراف إلى منزلة الإحسان التي ينال بها محبة الله، كما ورد في الحديث القدسّي الذي رواه الإمام البخاريّ: «من عادى لي وليّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه، وما زال عبدي يتقرب إليّ بالنّوافل حتى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه» (2).

وقد خصصت الآية من أعمال الصّلاة ركني السّجود والقيام للاهتمام بهما، وقدمت السّجود على القيام؛ لأن السّجود هو الصّورة الأقوى تعبيرا عن الخضوع والتّذلل إلى الله ولقوله عليه السلا: «أقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد» (1).

فإذا كان ما تقدم من النّصوص لا يجعل من قيام اللّيل أو غيره من النّوافل فرضا محتوما على المؤمن، فإنه في حق رسول الله فرض لازم، كما ذهب إليه كثير من العلماء عند تفسير قوله تعالى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَىآ أَنْ يَّبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا) (الإسراء:79). وفي قوله في سورة المزمل: (يَآ أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً، نِّصْفَهُ أَوُ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً، اَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْءَانَ تَرْتِيلاً) (1 - 4).

وقد روي عن ابن عباس: أنه من صلّى ركعتين أو أكثر بعد العشاء، فقد بات لله ساجدا وقائما، غير أن معنى التّهجّد لا يتحقق إلا بعد رقدة كما ورد عن رسول الله، ومناط القبول عند الله ليس هو كثرة عدد الرّكعات بقدر ما هو الإخلاص في طاعة الله بمراعاة شرطين أساسيين:

أ) - حسن القيام بالفرائض وأدائها على الوجه الأكمل.

ب) - تحرّي لقمة الحلال في ما يطعمه المؤمن؛ لأن الله تعالى طيّب لا يقبل إلا طيّبا.

ومجال النّوافل واسع لا يقتصر على التّهجّد باللّيل، بل حسب المؤمن أن

٣٬٨٢٠ / ٦٬٧٦٧