سورة الفرقان
الجزء ١١ · صفحة ٤٨٢فقال جلّ من قائل: (فَلاَ تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) (النّجم:32).
وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه كيف يلتمسون رضى الله، وكيف يترددون في مسعى أعمالهم بين الخوف والرّجاء حين قال لهم: «لن يدخل الجنة أحدكم عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟، قال: ولا أنا، إلا إن تغمّدني الله برحمته» (1).
فهم لم يطلبوا النّجاة من جهنم، بل طلبوا أن يصرف الله عنهم شرّها، حتى لكأن جهنم وحش ضار يطارد فريسته لينشب فيها أنيابه، فهم يحتمون بالله من شرّها.
وقد تقدم في السّورة ما يفيد هذا المعنى عند قوله تعالى: (إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانِم بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا) (الفرقان:12).
وأما الجملتان: (إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا، اِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا)، فيجوز أن تكونا من كلام الدّاعين أو هي من كلام الله، على خلاف بين المفسّرين، وهما على أيّ احتمال تعليل لطلبهم صرف عذابها عنهم، وذم كبير لذلك العذاب لكونه ملازما قارّا أبديّا، مما يدلّ على أنهم مؤمنون به حق الإيمان وإن لم يعاينوه، وحسبهم من وعيد الله به ما يسمعون في القرآن من أوصاف جهنم تثير في نفوسهم الرّهبة، فيشهقون لسماعها حتى لكأن زفيرها في آذانهم.
يروى عن التّقيّ الزّاهد حاتم الأصمّ أنه قيل له: كيف تصلّي؟، فقال: "إذا أردت الصّلاة أسبغت الوضوء، ثم أتيت الموضع الذي أريد الصّلاة فيه، فأقعد حتى تجتمع جوارحي، ثم أقوم في المصلّى، فأجعل الكعبة بين حاجبيّ، والصّراط تحت قدميّ، والجنة عن يميني، والنّار عن شمالي، وملك الموت ورائي، وأظنها آخر