سورة الفرقان
الجزء ١١ · صفحة ٤٨٣صلاتي، ثم أقوم بين الرّجاء والخوف، وأكبّر تكبيرا بتحقيق، وأقرأ قراءة بترتيل، وأركع ركوعا بتواضع، وأسجد سجودا بتخشع، ثم أجلس على التّمام، وأتشهّد على الرّجاء، وأسلّم بالسنة، وأتبعها بإخلاص، ثم لا أدري أقبلت أم لا؟ ".
هـ) - الصّفة الخامسة: الاعتدال في النّفقة.
(وَالذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يُقْتِرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَالِكَ قَوَامًا): القصد والاعتدال في كل شيء من السّمات التي امتاز بها الإسلام في تشريع أحكامه وتوجيه إرشاداته، ولا غرو في ذلك؛ إذ هو دين الوسطية بين المادية اليهودية والرّهبانية النّصرانية، وهو يراعي ازدواجية التّكوين البدني والنّفسيّ في الإنسان، يوازن بين مطالب الجسد والرّوح بحيث لا يطغى أحدها على الآخر.
وكان الجاهليون يغالون في اللّذات ويسرفون في الملاهي من النّساء والخمر والميسر، ويعتبرون ذلك من مقوّمات الرّجولة، كما تدل على ذلك أشعارهم في الجاهلية، وقد حوّلهم الإسلام من عباد الشّيطان إلى عباد الرّحمن، إذ ركز في نفوسهم تلك الصّفات الخلقية الكريمة من الشّجاعة والكرم والإباء، فأصبحوا منشغلين بالمهام العظمى في نشر رسالة الله في الآفاق، وقد جاء في الأثر: "نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا فلا نشبع".
والاعتدال في الإنفاق هي الصّفة الخامسة لعباد الرّحمن، وقد اختلف المفسّرون في تحديد المقصود من الإنفاق في الآية الكريمة: أهو ما يكون في طاعة الله أو في معصيته، حتى يتحدّد معنى الإسراف أو الإقتار، أم هو الإنفاق من مال الغير ومنع حقوقه؟، وقد أورد الإمامان القرطبيّ والرّازي كثيرا من أوجه التّفسير لمعنى الإسراف والإقتار، وأوضح الإمام ابن عاشور المقصود من الإنفاق في الآية من خلال التّعبير المستعمل فقال: "وأريد بالإنفاق هنا الإنفاق غير الواجب، وذلك إنفاق المرء على أهل بيته وأصحابه، لأن الإنفاق الواجب لا يذمّ الإسراف فيه، والإنفاق الحرام لا يحمد مطلقا بله أن يذمّ الإقتار فيه، على أن في قوله: (إِذَآ أَنفَقُواْ) إشعار بأنهم اختاروا أن ينفقوا، ولم يكن واجبا عليهم" (1).
قلت: ويؤيّده قوله تعالى لرسوله في سورة الإسراء: (وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً اِلَىا عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا) (29). وكما ورد في دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أسألك كلمة الحقّ في الرضا والغضب، وأسألك القصد في الفقر والغنى» (2).
والقوام أو الاعتدال المطلوب يختلف تقديره باختلاف الأحوال المعيشية للناس، بصفة عامّة وباختلاف سعة الرّزق وضيقه بين واحد وآخر، وفي ذلك يأتي هذا التّوجيه الإلهي الحكيم: (لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَاتَاهُ اللهُ لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا اِلاَّ مَآ ءَاتَاهَا سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) (الطلاق:7).
قال ابن عباس: "من أنفق مائة ألف في حق فليس بسرف، ومن أنفق درهما في غير حقه فهو سرف، ومن منع من حقّ عليه فقد قتّر".
ولا شك أن لشهوة البطن انعكاسا على سلوك الإنسان في حياته اليومية، ولمتع الجسد بصفة عامة أثر بالغ في الحياة الاجتماعية للأمم؛ لأن الشّبع والرّيّ إلى حدّ الإسراف يؤدي إلى سعار الشّهوة البهيمية حتى تنفلت عن ضوابط العقل، وفي ذلك يقول المولى تبارك وتعالى في سورة القتال: (وَالذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَاكُلُونَ كَمَا تَاكُلُ الاَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ) (12).