نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الفرقان

الجزء ١١ · صفحة ٤٨٦

أ) - أولى هذه الكبائر: الشرك بالله.

تذكر هذه الموبقة عادة في القرآن الكريم بلفظ الشّرك أو الكفر، غير أن التّعبير في هذه الآية الكريمة جاء بنفي الدّعاء لغير الله، والنّكتة في ذلك -والله أعلم- هو إكمال الصّورة الحقيقية لعبادة الله التي يمارسها عباد الرّحمن في جوف اللّيل، بأنها عبادة خالصة لوجه الله لا يشوبها رياء ولا سمعة -وهما من الشّرك الخفيّ-، ثم إن الدّعاء مخّ العبادة، فليس بالضّرورة أن يكون العابد أمام صنم ليقال عنه: إنه كافر أو مشرك، فقد يدّعي مسلم الإيمان بالله، وقد يمارس عبادته على الصّورة المأمور بها، ولكنه في توجهاته القلبية أو حتى في بعض أذكاره يخطئه التّوفيق، فيهوي به الشّيطان في قرار سحيق، حين يدعو آباءه وأسلافه قائما على أضرحتهم، أو حين يستشفع بوليّ من الأولياء، ويتوسّل به في كشف الضّراء، وينذر إليه بوعدة إن استجاب الدّعاء … إلخ. وهذا هو المزلق الخطير في باب العقيدة.

وعباد الرّحمن يطهّرون أنفسهم من تلك الشّوائب كلها، بإخلاص توجّههم إلى الله وحده في دعائهم وعبادتهم. جاء رجل إلى رسول الله فقال له: إني لأقف الموقف أريد وجه الله وأريد أن يرى موطني، فلم يرّد عليه الرّسول حتى نزل قوله تعالى: (فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الكهف:110). فالشّرك بالله نوعان: الشّرك الأكبر والشّرك الأصغر.

أ) - فالشّرك الأكبر: هو أن تجعل لله ندّا بعبادة أيّ خلق من مخلوقاته في الأرض أو في السّماء كيفما كان نوعه أو منزلته من الله، سواء كان ملكا مقرّبا أو نبيا مرسلا.

وقد تضافرت نصوص القرآن على حرمة ذلك وأنه من أكبر الكبائر لقوله تعالى: (اِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُّشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَالِكَ لِمَنْ يَّشَآءُ وَمَنْ يُّشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَىآ إِثْمًا عَظِيمًا) (النّساء:48).

ب) - الشّرك الأصغر: ويسمّى بالشّرك الخفي، وله صور عديدة قد لا ينتبه إليها العابدون، وأخطرها طلب الرّياء والسمعة، روى الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والشّرك الأصغر، قالوا: يا رسول الله: ما الشّرك الأصغر؟. قال: الرّياء، يقول الله تعالى يوم يجازي العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءونهم بأعمالكم في الدّنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء» (1).

والإخلاص الذي ينفي الرّياء عرّفه العلماء بقولهم: أن تكون مع الله بغير خلق، ومع خلق الله بغير نفس.

فما أكثر الضّلالات التي وقع فيها النّاس قديما وحديثا وما أكثر الخرافات والأوهام التي تعلقوا بها، سيما في محاولتهم معرفة المجهول وكشف الغيوب، وكان الإسلام حريصا على صيانة جوهر العقيدة في قلب المسلم، والتي تنبني على التّوحيد الخالص لله تعالى بأنه وحده عالم الغيب والشّهادة وبيده ملكوت كل شيء لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السّماء.

ولم يدّع أبدا رسول الإسلام معرفة الغيب بل أمره تعالى أن يقول: (قُل لآَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا اِلاَّ مَا شَآءَ اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ اِنَ اَنَآ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُومِنُونَ) (الأعراف:188).

فلا دجل ولا شعوذة في الإسلام، ولا توسّل إلى غير الله، فلم يتخذ المسلمون كهانا ولا رهبانا في مساجدهم ليكونوا وسطاء بينهم وبين الله، وهم بذلك يطبقون ما أمرهم الله به في قوله: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ

٣٬٨٢٦ / ٦٬٧٦٧